هنا أضع كتاباتي الخاصة بإذن الله تعالى وما أراه مفيدا من نقولات ومن كتابات الإخوة الأفاضل ...
الصفحات
التسميات
- أحداث 11 سبتمبر والخدعة الكبرى (1)
- إحصائيات الكفر والإلحاد (4)
- أسباب الخطأ (26)
- اضحك مع .. (1)
- أقوال المنصفين عن النبي محمد والإسلام والقرآن والأحاديث (22)
- الأدلة الماتعة على زواج عائشة في سن التاسعة (7)
- الإعجاز الغيبي التاريخي والعلمي في الإسلام (33)
- الرد على شبهات الأحاديث (10)
- العلمانية والليبرالية والدولة المدنية (22)
- إلى كل نصراني (22)
- انتشار الإسلام بالسيف (21)
- حقيقة القاديانية (6)
- حقيقة المجوس الشيعة الروافض (29)
- حقيقة عدنان إبراهيم (4)
- حمار القاضي .. وخلط الأوراق (1)
- حوار مع مسلم (1)
- خواطر على طريق النهاية (3)
- رسائل خاصة وإجاباتي عليها (9)
- روابط مفيدة (2)
- شبهات عن الأحاديث (1)
- شبهات عن القرآن (20)
- عدد من حواراتي مع المخالفين (77)
- فرق ومذاهب وأحزاب وأديان معاصرة (121)
- فضح منكري السنة (34)
- فوائد متفرقات (30)
- قصص دعوية (62)
- قضايا المرأة (43)
- قضايا راهنة (51)
- كتب pdf هنا الحقيقة (1)
- ما يجب أن تعرفه عن نظرية التطور (67)
- مقاطع فيديو وأفلام (7)
- مقالات تربية (4)
- مواضيع لنقض الإلحاد واللادينية (85)
- موسوعات الرد على الشبهات (2)
- نظرات (5)
- هدم أسس الإلحاد (13)
- هكذا كنا .. عزة الإسلام (6)
- يدخلون الإسلام (20)
- يي روابط المدونة (1)
- يي كبسولات فيسبوكية (6)
- English Articles (22)
إظهار الرسائل ذات التسميات فوائد متفرقات. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات فوائد متفرقات. إظهار كافة الرسائل
الثلاثاء، 11 نوفمبر 2014
الاثنين، 2 يونيو 2014
نفي نفي الحكمة عن أفعال الله
نفي > نفي الحكمة عن أفعال الله ...
مجموعة فوائد منقولة : كنت قد أوردتها لأحد الزملاء الربوبيين الجبريين في إحدى رسالاتي معه ...
وأحببت إيرادها هنا لتعميم الفائدة ولأهميتها ووقوع اللبس لدى الكثيرين في تلك المسألة للأسف ..
حيث يسيئون إلى ذات الله عز وجل فينسبون له الظلم : من حيث أرادوا تعظيمه وتنزيهه عن السؤال ..
لن أطيل عليكم ...
فتعالوا نقرأ معا ًالتفاصيل وما فيها ....
-------
أما قول القائل بنفي الحكمة عن أفعال الله كالأشاعرة والجبرية فيقول :
(ولو أن الله رب العالمين أدخل الطائعين النار، وأدخل العاصين الجنة،
ما كان ليُسأل عما يفعل، بل هم الذين يسألون، ولكان فعله عدلاً، ولكان أمره حقًّا).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
(والحديث الذي في السنن: (لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم) يُبين أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك، لا لكونه بغير ذنب، وهذا يبين أن من الظلم المنفي عقوبة مَن لم يذنب) اهـ
[مجموع الفتاوى 18/143-144]
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله :
(وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول: إنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له، ولا أَمَرَ لحكمة، ولا نَهَى لحكمة، وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا غاية مقصودة. وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده ؟! بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات. فهما مظهران لحمده وحكمته، فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره.
فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك يُنَزَّه عنه الرب، ويتعالى عن نسبته إليه، فإنهم أثبتوا خلقًا وأمرًا؛ لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه البتة، وينهى عما فيه مصلحته، والجميع بالنسبة إليه سواء.
ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه، وينهى عن جميع ما أمر به، ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي.
ويجوز عندهم أن يُعَذِّب من لم يعصه طرفة عين؛ بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره، ويُنَعِّم من لم يطعه طرفة عين؛ بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور، ولا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول، وإلا فهو جائز عليه.
وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب تعالى، وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور، بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه.
والعجب العجاب أن كثيرًا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه، ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور، ويزعمون أنه عدل وحق، وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به؛ كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه؛ وعلوه فوق سماواته؛ وتكلمه وتكليمه؛ وصفات كماله؛ فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات).
[شفاء العليل 3/1058-1059]
وقال أيضا ًرحمه الله :
(الفرقة الثانية: الذين أثبتوا له الملك وعطلوا حقيقة الحمد. وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل؛ القائلون بأنه يجوز عليه كل ممكن، ولا ينزه عن فعل قبيح، بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه، وإنما القبيح المستحيل لذاته، كالجمع بين النقيضين، فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته، وإكرام إبليس وجنوده، وجعلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم أبدًا، ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفى الخالق في خبره فقط. فيجوز عندهم أن يأمر بمسبته ومسبة أنبيائه، والسجود للأصنام، والكذب والفجور، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف، ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة، وأنه أمر بهذا ونهى عن هذا، من غير أن يكون فيما أمر به صفة حسن تقتضي محبته والأمر به، ولا فيما نهى عنه صفة قبح تقتضي كراهته والنهي عنه).
[شفاء العليل 3/1132-1133]
وقال أيضا ًرحمه الله :
(فإن قيل: فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا يفتر عن أهله؛ بل أهله فيه أبد الآباد؛ كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها؛ لا يُقضَى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم طرفة عين ؟
قيل: لعَمْر الله هذا السؤال يقلقل الجبال، فضلاً عن قلوب الرجال. وعن هذا السؤال أنكر من أنكر من المقرين حكمة العزيز الحكيم، وردَّ الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية، وجوَّز على الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه وينزلهم إلى أسفل الجحيم، وينعم أعداءه المشركين به، ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد، وأن يدخل النار من شاء بغير سبب ولا عمل أصلاً، وأن يفاوت بين أهلها مع تساويهم في الأعمال، ويسوي بينهم في العذاب مع تفاوتهم في الأعمال، وأن يعذب الرجل بذنب غيره، وأن يبطل حسناته كلها، فلا يثيبه بها أو يثيب بها غيره، كل ذلك جائز عليه، لا يعلم أنه لا يفعله إلا بخبر صادق، إذ نسبة ذلك وضده إليه على حد سواء.
وقالوا: لا مخلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل، وربما تمسكوا بظاهر من القول لم يضعوه على مواضعه، ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة وتعليق الأمور بأسبابها؛ وترتيبها عليها؛ وآيات الموازنة والمقابلة، وأخطؤوا في فهم القرآن، كما أخطؤوا في وصف الرب بما لا يليق به، وفي التجويز عليه بما لا يجوز عليه).
[شفاء العليل 3/1240-1241]
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في شرحة على "العقيدة السفارينية":
([192- ومستحيل الذات غير ممكن، وضده ما جاز فاسمع زكني]
هنا بدأ بالمستحيل والجائز، وينبغي أن يضاف الواجب أيضًا.
المستحيل: ما لا يمكن وجوده.
والجائز: ما يمكن وجوده وعدمه.
والواجب: ما لا يمكن عدمه.
والموجودات؛ إما من قبيل الجائز، أو من قبيل الواجب، أو من قبيل المستحيل، ولكن إلى أيِّ شيءٍ نرجع في استحالة الشيء وعدمه ؟ هل نرجع إلى عقولنا أم ماذا ؟
نرجع في هذا إلى الشرع، إلى الكتاب والسنة فيما يتعلق بالشرعيات، وإلى الواقع، وأهل الخبرة فيما يتعلق فيما سوى ذلك، وإلا لأمكن لكل واحدٍ أن يقول: "هذا مستحيل" كما قال أهل التعطيل إن الله مستحيل أن يكون له وجه، مستحيل أن يكون له يد، مستحيل أن يكون له عين، وما أشبه ذلك، لكن الكلام على الواقع، فالمستحيل غير ممكن، والواجب غير ممكنٍ عدمه، والجائز ما أمكن وجوده وعدمه، فلنضرب لهذا أمثلة:
وجود إلهٍ مع الله مستحيل لا شك.
عدم الله مستحيل.
وجود الله واجب.
وجود الآدمي جائز، لأن الله تعالى جائز أن يخلق الآدمي وجائز ألا يخلقه.
تعذيب الله -سبحانه وتعالى- للطائع هو جائز من حيث الوقوع يمكن، لكنه ممتنعٌ شرعًا وممتنع عقلاً من وجهٍ آخر، ممتنعٌ شرعًا لأن الله تعالى أخبر أنه لا يظلم أحدًا، وتعذيب الطائع ظلم، قال الله تعالى : ((وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا))، إذن مستحيل شرعًا، وهو مستحيل عقلاً بالنسبة لله -عز وجل-؛ لأن الله منزهٌ عن الظلم لذاته.
فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث: (إن الله لو عذَّب أهل سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم)، وجاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله) قالوا: ولا أنت ؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) ؟
قلنا: لا إشكال !
فأما الأول: فمعناه: أن الله لو عذَّب أهل سماواته وأرضه لعذَّبهم وهم مستحقون للعذاب، وهو غير ظالم.
ومتى يستحقون ؟ إذا خالفوا في ترك الطاعة أو فعل المعصية.
وأما الثاني: فالباء في قوله (بعمله) للمعاوضة، يعني لو رجعنا للتعويض ما دخل أحدٌ الجنة، لأن الإنسان لو حوسب على أدنى نعمةٍ من الله لهلك، لكن برحمة الله تعالى) اهـ
وسُئل الشيخ الإمام أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله قبيل وفاته بعدة أشهر في شريط "لقاء منتديات مصر السلفية مع الشيخ أحمد النجمي" أو بعنوان "أسئلة أهل مصر" على موقع الشيخ رحمه الله :
ما حكم من يقول:
لو عذَّب الله أهل طاعته ونعَّم أهل معصيته لكان هذا هو عين الحكمة منه ؟
فأجاب رحمه الله :
(الله -سبحانه وتعالى- وعد المطيعين بالنجاة، وبالجنة؛ بالفوز فيها، والنعيم فيها، ووعد العصاة الكفار المنافقون الزائغون الذين هم يَعبدون غيره؛ يعني هل يصحّ في العقل .. هل يصحّ في العقل هذا الكلام ؟! قبل أن نقرأ كتاب الله لو كنا ما قرأنا كتاب الله ولا آمنا به، هل يصحّ في العقل هذا الكلام ؟! هذا لا يقوله إلا زنديق، الذي يقول هذا زنديق، ((مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا))، ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى))، فهذا الكلام كلام زندقة، هذا صاحبه زنديق الذي يقول هذا الكلام، كيف يُعقل أنَّ الله يُنَعِّم أهل .. يعني يجزي بالنعيم والنجاة والفوز من عصاه؛ ويعذب من أطاعه ؟! هذا شيء أحد يتصوره وفي نفسه عقل .. فيه عقل، في رأسه عقل، لا والله ! نعم) اهـ
وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي حفظه الله عند شرحه لقول البربهاري التالي في "شرح السنة" -وهو موجود بالصوت على موقعه الرسمي على الإنترنت-:
(ولو عذب الله أهل السماوات وأهل الأراضين بَرهم وفاجرهم عذبهم غير ظالم لهم، لا يجوز أن يقال لله تبارك وتعالى: إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، الخلق خلقه والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال: لِمَ وكيف، لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه).
نعم، يقول المؤلف:
(لو عذب الله أهل سماواته وأهل الأراضين برهم وفاجرهم عذبهم غير ظالم لهم)، هذا مأخوذ من حديث: (لو عذَّب الله أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم). المعنى: أن الله لو وضع عدله في أهل سماواته وأهل أرضه وحاسبهم على أعمالهم وعلى نعمه عليهم؛ لصاروا مدينين له، وحينئذ لو عذبهم لعذبهم غير ظالم لهم، لو يحاسب الإنسان بنعم الله عليه وعمله يكون مدينًا؛ وحينئذ يُعَذَّب، لأن نعمة البصر قد تعدل بأيش ؟ تعدل بعمله كله، فينتهي العمل؛ فيُعَذَّب، لو وضع الله عدله على أهل سماواته فحاسبهم بأعمالهم وبنعمه عليهم لصاروا مدينين له، ولصارت أيش ؟ الأعمال لا تقابِل النعم، وحينئذ لو عذبهم -في هذه الحالة- لعذبهم غير ظالم لهم، لكنه سبحانه لا يفعل ذلك، فلا يحاسبهم بأعمالهم وبنعمه عليهم [...].
(لا يجوز أن يقال لله تبارك وتعالى: إنه ظالم)، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، لم يحرمه عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد، كما أنه كتب على نفسه الرحمة، كتب على نفسه من نفسه الرحمة، لم يكتبها عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد -سبحانه وتعالى-، وحرَّم الظلم من نفسه على نفسه، ليس فوقه أحد يحرمه عليه.
في الحديث القدسي حديث أبي ذر يقول الله تعالى: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي؛ وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا) والظلم يقدر عليه الله، لكنه تنزه عنه، الشيء الذي لا يقدر عليه الله لا يقال: إنه حرمه على نفسه، إنما يحرم شيئًا يقدر عليه، واضح هذا ؟ ولهذا قال الله تعالى: ((لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ))، ((وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا))، لو كان الظلم غير مقدور عليه لما أُمّن الإنسان من خوف الظلم.
وأما الجبرية من الأشاعرة والجهمية قالوا:
إن الظلم هو الممتنع أو المستحيل الذي لا يدخل تحت قدرة الله، كالجمع بين النقيضين، وقالوا: الظلم غير مقدور لله عندهم، ما يقدر عليه الله، ممتنع، وقالوا: الظلم هو تصرف المالك في غير ملكه، أو مخالفة الآمر للمأمور، والله تعالى كل شيء ملكه، فهو يتصرف في ملكه، فلو عذَّب أهل السماوات وأهل الأراضين لكان غير ظالم؛ لأنه تصرف في ملكه فلا يكون ظلمًا، واضح هذا ؟ وهل هناك شيء خارج عن ملك الله ؟! ما فيه، إذًا أين يكون الظلم ؟ ما فيه ظلم .. مستحيل.
الظلم: هو أن يتصرف المالك في غير ملكه، وهل هناك شيء خارج عن ملك الله ؟ إذًا لو فعل أي شيء لا يكون ظلمًا، هكذا يقول من ؟ الأشاعرة والجهمية، يقولون: إن الظلم تصرف المالك في غير ملكه، وعلى هذا فأجازوا على الله قالوا: يجوز لله أن يقلب التشريعات والجزاءات، ويجعل العفة محرمة والزنا واجبًا -والعياذ بالله!-، ويجوز على الله أن يُحَمِّل الأبرار والأنبياء أوزار الفجار والكفار، ويعذبهم ولا يكون ظالَمًا لهم؛ لأنه يتصرف في ملكه، وهذا من أبطل الباطل.
الله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وهو قادر على الظلم، لو كان لم يكن قادرًا على الظلم؛ ما الفائدة من التحريم ؟ يُحَرِّم شيئًا وهو لا يقدر عليه ؟! ولو كان الظلم غير مقدور عليه لما قال الله: ((لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ)) ولا قال: ((فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)) الشيء الذي لا يُقدَر عليه هل يؤمّن منه الإنسان ؟ هل يخاف الإنسان الشيء الذي لا يقدر عليه ؟ لا يخافه، فلما قال الله ((فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)) دل على أنه قادر عليه، فحرم الظلم على نفسه تنزهًا منه وهو قادر عليه، فدل على بطلان قول أيش ؟ الأشاعرة والجهمية أن الظلم: تصرف المالك في غير ملكه.
والصواب: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كأن يمنع أحدًا من حقه، أو يُحَمِّله وزر غيره، هذا هو الظلم، هذا مؤكد، فالله لا يظلم أحدًا، فلا يحمل أحدًا وزر غيره، ولا يمنعه ثواب أعماله.
(... لا يجوز أن يقال لله تبارك وتعالى: إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، الخلق خلقه والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال: لِمَ وكيف، لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه).
هل هذا يتمشى مع مذهب الجبرية وإلا مع مذهب أهل السنة ؟
(وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له) هذا يتمشى مع مذهب الجبرية ! إذًا الصواب: أنَّ الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، هذا يتمشى مع مذهب الجبرية القائلين بأن الظلم: تصرف المالك في غير ملكه، والصواب الذي عليه أهل السنة؛ أن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأن الله تعالى لا يظلم لكمال عدله، لا لعجزه، وقد حرَّم على نفسه الظلم، كما في الحديث: (إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرمًا).
وقوله: (لا يُسأل عما يفعل): لا يُسأل عما يفعل لكمال عدله، لكونه حكيم، ولكونه عادل، والجبرية يقولون: لا يُسأل عما يفعل لكونه يتصرف بالقدرة والمشيئة، ينكرون الحِكَم.
وكان ينبغي على المؤلف أن يُقَرِّر مذهب أهل السنة والجماعة ويقول: وإنما يظلم من يضع الشيء في غير موضعه، كأن يُحَمِّل أحدًا وزر غيره، أو يمنعه من حقه، أما قوله: (مَن يأخذ ما ليس له) هذا يتمشى مع مذهب الجبرية القائلين بأن الظلم ... هو تصرف المالك في غير ملكه، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه والدار داره، فإذا تصرف فيما يشاء فلا يكون ظلمًا، هذا يتمشى مع مذهب الجبرية (لا يُسأل عما يفعل)، لماذا ؟ لأنه تصرف في ملكه، وأهل السنة يقولون: لا يسأل عمَّا يَفعل لكمال حكمته، ولكمال عدله، وهم يُسألون.
(ولا يقال: لِمَ وكيف): لا يقال: "لِمَ" في أفعال الله، لا يُعترض على الله، فلا يقال: لِمَ فعل كذا ؟ ولا يقال: كيف صفته ؟ كيف استواؤه ؟ لا يتوجه السؤال إلى الله بـ "لِمَ" ولا "كيف"، "لِمَ" في الأفعال، و"كيف" في الصفات.
(لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه) ليش لا يُسأل .. "لِمَ" ؟ لأنه حكيم، يضع الأشياء في مواضعها، لا لأنه يفعل بالقدرة والمشيئة فقط، نعم، فلا بد لطالب العلم أن يفرق بين مذهب أهل السنة في الظلم وبين مذهب الجبرية، نعم.) اهـ
وقال -حفظه الله- معلقًا على حديث:
(لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم).
قال: (والمعنى: إن الله -تعالى- لو وضع عدله بين عباده لحاسبهم حينئذ بنعمه عليهم وعملهم، وحينئذ يكونون مدينين، فلو عذبهم لعذبهم غير ظالم لهم؛ لأن العمل ما يقابل النعم، لكنه -سبحانه- لا يضع عدله، (لو عذبهم) يعني: لو وضع عدله فيهم؛ لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لكنه -سبحانه وتعالى- يتفضل عليهم، نعم.) اهـ
[من تعليقه على كتاب "التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية" للشيخ عبد العزيز الرشيد -رحمه الله-]
وقال الشيخ صالح آل الشيخ في شرحه على "الطحاوية":
(... والحديث الثاني وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داوود وغيره وصحَّحَهُ بعض العلماء؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) الحديث.
يعني أنَّ أهل السموات والأرض لو عَذَّبَهُمْ الله - عز وجل - لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم.
المعتزلة يَرُدُّون هذه الأحاديث أصلاً، والأشاعرة يُجَوِّزُونَ أن يُعَذِّبَ الله -عز وجل- الناس من غير سبب؛ لأنهم لا حكمة عندهم ولا تعليل لأفعال الله، يفعل ما يشاء بدون علة وبدون سبب، ومنها أَخَذَ صاحب السَّفَارينية في قوله في منظومته، السَّفاريني:
وجَازَ للمولى يعذب الورى من غير ما ذنبٍ ولا جُرْمٍ جرى
يقول (جائز أن يُعَذِّبَ الورى) يعني الله -عز وجل- من غير ما ذنب ولا جرم جرى.
هذا الحديث أهل السنة لا يُفَسِّرُونه بهذا ولا بهذا؛ يل يفسرونه بعِظَمِ معرفتهم لربهم - جل جلاله - وخشيتهم له ومعرفتهم بحقوقه، فيقول أئمة أهل السنة:
بأنَّ أهل السموات وأهل الأرض إنَّمَا قاموا برحمة الله -عز وجل-، فما فيهم حركة ولا حياة ولا شأن إلا وفي كلٍّ منها فضل من الله -عز وجل-؛ ورحمة ونعمة أفاضها عليهم؛ بها قامت حياتهم وبها استقاموا، كما قال -عز وجل- ((وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ))، فمِنْ حَقِّهِ -عز وجل- على هذا العبد المكلف الذي لا ترمش عينه إلا بنعمة، ولا يأكل إلا بنعمة، ولا يتنفس إلا بنعمة، ولا يتعلم إلا بنعمة، ولا يخطو خطوة إلا بنعمة، ولا ينظر إلا بنعمة، ولا يسمع إلا بنعمة، ولا يتكلم إلا بنعمة، ولا يفرح إلا بنعمة، إلى آخر نِعم الله -عز وجل- التي لا تُحْصَى ولا تُعَد، من حقه -عز وجل- أن يُقَابَلَ مع كل نعمة بشكر يقابل تلك النعمة.
فإذًا سيمضي حياته في شكر الله -عز وجل- على الصغير والكبير، فهل تسع حياة المكلفين ذلك ؟ لا تسع ذلك.
ولهذا تأمل مع هذا قول الله -عز وجل- لنبيه ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)).
وتأمَّلْ قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة لما قام حتى ورمت قدماه -صلى الله عليه وسلم- (أفلا أكون عبدًا شكورًا) ولن يَبْلُغْ جميعَ ما يَسْتَحِقْ الله -عز وجل- من الشكر بالعمل؛ بل لابد من الاستغفار والإنابة حتى يكْمُلَ شكر العبد لربه -عز وجل-.
وتأمل أيضًا ما عَلَّمَهُ -صلى الله عليه وسلم- الصدِّيق الذي هو أفضل هذه الأمة أن يقول في آخر صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك) كيف عَبَّرَ هنا بالظلم (ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) لِمَ ؟
هل ظلم أبو بكر بارتكاب الكبائر ؟ حاشا وكلا.
هل ظَلَمَ بِظُلْمِ العباد ؟ حاشا وكلا.
هل ظلم أبو بكر -رضي الله عنه- بالتقصير في حق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي الاستجابة لله ولرسوله الظلم الكثير ؟ حاشا وكلا.
ولكن ينظر العبد إلى ما يُفَاضُ عليه من النِّعَمِ في كل لحظة، فيشعر بأنه مُقَصِّرْ، والله -عز وجل- وصف القليل من الإعراض في حق العبد بأنه من الظلم، ووَصَفَ الكثير بأنه من الظلم، فلهذا يشعر المؤمن بأنَّهُ ظلم نفسه ظلمًا كثيرًا؛ لأنه لا يمكن أن يشكر حقيقة الشكر.
فلو حاسَبْ الله -عز وجل- العباد، حاسب أهل السموات وأهل الأرض على حقيقة شكر ما أنعم الله به عليهم، وأعظم ذلك أن جعلهم مُتَّصِلِينَ منه بسبب، ومرفوعين إليه -عز وجل-، وأنهم من المنيبين، وأنهم من المهتدين، لما قامت حيلة العبد، ولما قام إيمانه، ولما قام له شيء؛ ولكن ما ثَمَّ إلا رحمة الله -عز وجل- (لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلاً).
فإذًا ننظر إلى قوله (لو عذَّب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبه وهو غير ظالم لهم) لأنَّ الشكر لن يكون في تمامه، فإذًا هم لن يُعْدَمُوا؛ بل لن يكونوا إلا مُقَصِّرِين، لن يكونوا إلا لم يُوَفُّوا مقام الشكر حقه.
بل حتى التوبة والإنابة إذا العبد كَمَّلَ الشكر بتوبته وإنابته دائمًا واستغفاره؛ فإن قَبُول التوبة وحصول المغفرة وقبول الإنابة من العبد أليست هذه نعمة تستحق شكرًا مجددًا ؟
فإذًا؛ لو عَذَّبَ الله أهل سمواته وأهل أرضه لَعَذَّبَهُم وهو غير ظالم لهم، فلا يبرح العبد أن يرى نعمة الله -عز وجل- تُفِيْضَ عليه في أمر دينه وفي أمر دنياه، وليس ثَمَّ أمامه سبيل إلا أن يشعر بالتقصير...
هذا تفسير الظلم عند الطوائف المشهورة: القدرية وهم المعتزلة والجبرية وهم أصناف والمتكلمين وقول أهل السنة فيما بين هؤلاء وهؤلاء) اهـ
مجموعة فوائد منقولة : كنت قد أوردتها لأحد الزملاء الربوبيين الجبريين في إحدى رسالاتي معه ...
وأحببت إيرادها هنا لتعميم الفائدة ولأهميتها ووقوع اللبس لدى الكثيرين في تلك المسألة للأسف ..
حيث يسيئون إلى ذات الله عز وجل فينسبون له الظلم : من حيث أرادوا تعظيمه وتنزيهه عن السؤال ..
لن أطيل عليكم ...
فتعالوا نقرأ معا ًالتفاصيل وما فيها ....
-------
أما قول القائل بنفي الحكمة عن أفعال الله كالأشاعرة والجبرية فيقول :
(ولو أن الله رب العالمين أدخل الطائعين النار، وأدخل العاصين الجنة،
ما كان ليُسأل عما يفعل، بل هم الذين يسألون، ولكان فعله عدلاً، ولكان أمره حقًّا).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
(والحديث الذي في السنن: (لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم) يُبين أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك، لا لكونه بغير ذنب، وهذا يبين أن من الظلم المنفي عقوبة مَن لم يذنب) اهـ
[مجموع الفتاوى 18/143-144]
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله :
(وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول: إنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له، ولا أَمَرَ لحكمة، ولا نَهَى لحكمة، وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة لا لحكمة ولا غاية مقصودة. وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده ؟! بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات. فهما مظهران لحمده وحكمته، فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره.
فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك يُنَزَّه عنه الرب، ويتعالى عن نسبته إليه، فإنهم أثبتوا خلقًا وأمرًا؛ لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه البتة، وينهى عما فيه مصلحته، والجميع بالنسبة إليه سواء.
ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه، وينهى عن جميع ما أمر به، ولا فرق بين هذا وهذا إلا لمجرد الأمر والنهي.
ويجوز عندهم أن يُعَذِّب من لم يعصه طرفة عين؛ بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره، ويُنَعِّم من لم يطعه طرفة عين؛ بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور، ولا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول، وإلا فهو جائز عليه.
وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب تعالى، وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور، بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه.
والعجب العجاب أن كثيرًا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه، ولا ينزهونه عن هذا الظلم والجور، ويزعمون أنه عدل وحق، وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به؛ كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه؛ وعلوه فوق سماواته؛ وتكلمه وتكليمه؛ وصفات كماله؛ فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات).
[شفاء العليل 3/1058-1059]
وقال أيضا ًرحمه الله :
(الفرقة الثانية: الذين أثبتوا له الملك وعطلوا حقيقة الحمد. وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل؛ القائلون بأنه يجوز عليه كل ممكن، ولا ينزه عن فعل قبيح، بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه، وإنما القبيح المستحيل لذاته، كالجمع بين النقيضين، فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته، وإكرام إبليس وجنوده، وجعلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم أبدًا، ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفى الخالق في خبره فقط. فيجوز عندهم أن يأمر بمسبته ومسبة أنبيائه، والسجود للأصنام، والكذب والفجور، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف، ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة، وأنه أمر بهذا ونهى عن هذا، من غير أن يكون فيما أمر به صفة حسن تقتضي محبته والأمر به، ولا فيما نهى عنه صفة قبح تقتضي كراهته والنهي عنه).
[شفاء العليل 3/1132-1133]
وقال أيضا ًرحمه الله :
(فإن قيل: فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا يفتر عن أهله؛ بل أهله فيه أبد الآباد؛ كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها؛ لا يُقضَى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم طرفة عين ؟
قيل: لعَمْر الله هذا السؤال يقلقل الجبال، فضلاً عن قلوب الرجال. وعن هذا السؤال أنكر من أنكر من المقرين حكمة العزيز الحكيم، وردَّ الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية، وجوَّز على الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه وينزلهم إلى أسفل الجحيم، وينعم أعداءه المشركين به، ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد، وأن يدخل النار من شاء بغير سبب ولا عمل أصلاً، وأن يفاوت بين أهلها مع تساويهم في الأعمال، ويسوي بينهم في العذاب مع تفاوتهم في الأعمال، وأن يعذب الرجل بذنب غيره، وأن يبطل حسناته كلها، فلا يثيبه بها أو يثيب بها غيره، كل ذلك جائز عليه، لا يعلم أنه لا يفعله إلا بخبر صادق، إذ نسبة ذلك وضده إليه على حد سواء.
وقالوا: لا مخلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل، وربما تمسكوا بظاهر من القول لم يضعوه على مواضعه، ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة وتعليق الأمور بأسبابها؛ وترتيبها عليها؛ وآيات الموازنة والمقابلة، وأخطؤوا في فهم القرآن، كما أخطؤوا في وصف الرب بما لا يليق به، وفي التجويز عليه بما لا يجوز عليه).
[شفاء العليل 3/1240-1241]
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في شرحة على "العقيدة السفارينية":
([192- ومستحيل الذات غير ممكن، وضده ما جاز فاسمع زكني]
هنا بدأ بالمستحيل والجائز، وينبغي أن يضاف الواجب أيضًا.
المستحيل: ما لا يمكن وجوده.
والجائز: ما يمكن وجوده وعدمه.
والواجب: ما لا يمكن عدمه.
والموجودات؛ إما من قبيل الجائز، أو من قبيل الواجب، أو من قبيل المستحيل، ولكن إلى أيِّ شيءٍ نرجع في استحالة الشيء وعدمه ؟ هل نرجع إلى عقولنا أم ماذا ؟
نرجع في هذا إلى الشرع، إلى الكتاب والسنة فيما يتعلق بالشرعيات، وإلى الواقع، وأهل الخبرة فيما يتعلق فيما سوى ذلك، وإلا لأمكن لكل واحدٍ أن يقول: "هذا مستحيل" كما قال أهل التعطيل إن الله مستحيل أن يكون له وجه، مستحيل أن يكون له يد، مستحيل أن يكون له عين، وما أشبه ذلك، لكن الكلام على الواقع، فالمستحيل غير ممكن، والواجب غير ممكنٍ عدمه، والجائز ما أمكن وجوده وعدمه، فلنضرب لهذا أمثلة:
وجود إلهٍ مع الله مستحيل لا شك.
عدم الله مستحيل.
وجود الله واجب.
وجود الآدمي جائز، لأن الله تعالى جائز أن يخلق الآدمي وجائز ألا يخلقه.
تعذيب الله -سبحانه وتعالى- للطائع هو جائز من حيث الوقوع يمكن، لكنه ممتنعٌ شرعًا وممتنع عقلاً من وجهٍ آخر، ممتنعٌ شرعًا لأن الله تعالى أخبر أنه لا يظلم أحدًا، وتعذيب الطائع ظلم، قال الله تعالى : ((وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا))، إذن مستحيل شرعًا، وهو مستحيل عقلاً بالنسبة لله -عز وجل-؛ لأن الله منزهٌ عن الظلم لذاته.
فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث: (إن الله لو عذَّب أهل سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم)، وجاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله) قالوا: ولا أنت ؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) ؟
قلنا: لا إشكال !
فأما الأول: فمعناه: أن الله لو عذَّب أهل سماواته وأرضه لعذَّبهم وهم مستحقون للعذاب، وهو غير ظالم.
ومتى يستحقون ؟ إذا خالفوا في ترك الطاعة أو فعل المعصية.
وأما الثاني: فالباء في قوله (بعمله) للمعاوضة، يعني لو رجعنا للتعويض ما دخل أحدٌ الجنة، لأن الإنسان لو حوسب على أدنى نعمةٍ من الله لهلك، لكن برحمة الله تعالى) اهـ
وسُئل الشيخ الإمام أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله قبيل وفاته بعدة أشهر في شريط "لقاء منتديات مصر السلفية مع الشيخ أحمد النجمي" أو بعنوان "أسئلة أهل مصر" على موقع الشيخ رحمه الله :
ما حكم من يقول:
لو عذَّب الله أهل طاعته ونعَّم أهل معصيته لكان هذا هو عين الحكمة منه ؟
فأجاب رحمه الله :
(الله -سبحانه وتعالى- وعد المطيعين بالنجاة، وبالجنة؛ بالفوز فيها، والنعيم فيها، ووعد العصاة الكفار المنافقون الزائغون الذين هم يَعبدون غيره؛ يعني هل يصحّ في العقل .. هل يصحّ في العقل هذا الكلام ؟! قبل أن نقرأ كتاب الله لو كنا ما قرأنا كتاب الله ولا آمنا به، هل يصحّ في العقل هذا الكلام ؟! هذا لا يقوله إلا زنديق، الذي يقول هذا زنديق، ((مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا))، ((وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى))، فهذا الكلام كلام زندقة، هذا صاحبه زنديق الذي يقول هذا الكلام، كيف يُعقل أنَّ الله يُنَعِّم أهل .. يعني يجزي بالنعيم والنجاة والفوز من عصاه؛ ويعذب من أطاعه ؟! هذا شيء أحد يتصوره وفي نفسه عقل .. فيه عقل، في رأسه عقل، لا والله ! نعم) اهـ
وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي حفظه الله عند شرحه لقول البربهاري التالي في "شرح السنة" -وهو موجود بالصوت على موقعه الرسمي على الإنترنت-:
(ولو عذب الله أهل السماوات وأهل الأراضين بَرهم وفاجرهم عذبهم غير ظالم لهم، لا يجوز أن يقال لله تبارك وتعالى: إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، الخلق خلقه والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال: لِمَ وكيف، لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه).
نعم، يقول المؤلف:
(لو عذب الله أهل سماواته وأهل الأراضين برهم وفاجرهم عذبهم غير ظالم لهم)، هذا مأخوذ من حديث: (لو عذَّب الله أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم). المعنى: أن الله لو وضع عدله في أهل سماواته وأهل أرضه وحاسبهم على أعمالهم وعلى نعمه عليهم؛ لصاروا مدينين له، وحينئذ لو عذبهم لعذبهم غير ظالم لهم، لو يحاسب الإنسان بنعم الله عليه وعمله يكون مدينًا؛ وحينئذ يُعَذَّب، لأن نعمة البصر قد تعدل بأيش ؟ تعدل بعمله كله، فينتهي العمل؛ فيُعَذَّب، لو وضع الله عدله على أهل سماواته فحاسبهم بأعمالهم وبنعمه عليهم لصاروا مدينين له، ولصارت أيش ؟ الأعمال لا تقابِل النعم، وحينئذ لو عذبهم -في هذه الحالة- لعذبهم غير ظالم لهم، لكنه سبحانه لا يفعل ذلك، فلا يحاسبهم بأعمالهم وبنعمه عليهم [...].
(لا يجوز أن يقال لله تبارك وتعالى: إنه ظالم)، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، لم يحرمه عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد، كما أنه كتب على نفسه الرحمة، كتب على نفسه من نفسه الرحمة، لم يكتبها عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد -سبحانه وتعالى-، وحرَّم الظلم من نفسه على نفسه، ليس فوقه أحد يحرمه عليه.
في الحديث القدسي حديث أبي ذر يقول الله تعالى: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي؛ وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا) والظلم يقدر عليه الله، لكنه تنزه عنه، الشيء الذي لا يقدر عليه الله لا يقال: إنه حرمه على نفسه، إنما يحرم شيئًا يقدر عليه، واضح هذا ؟ ولهذا قال الله تعالى: ((لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ))، ((وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا))، لو كان الظلم غير مقدور عليه لما أُمّن الإنسان من خوف الظلم.
وأما الجبرية من الأشاعرة والجهمية قالوا:
إن الظلم هو الممتنع أو المستحيل الذي لا يدخل تحت قدرة الله، كالجمع بين النقيضين، وقالوا: الظلم غير مقدور لله عندهم، ما يقدر عليه الله، ممتنع، وقالوا: الظلم هو تصرف المالك في غير ملكه، أو مخالفة الآمر للمأمور، والله تعالى كل شيء ملكه، فهو يتصرف في ملكه، فلو عذَّب أهل السماوات وأهل الأراضين لكان غير ظالم؛ لأنه تصرف في ملكه فلا يكون ظلمًا، واضح هذا ؟ وهل هناك شيء خارج عن ملك الله ؟! ما فيه، إذًا أين يكون الظلم ؟ ما فيه ظلم .. مستحيل.
الظلم: هو أن يتصرف المالك في غير ملكه، وهل هناك شيء خارج عن ملك الله ؟ إذًا لو فعل أي شيء لا يكون ظلمًا، هكذا يقول من ؟ الأشاعرة والجهمية، يقولون: إن الظلم تصرف المالك في غير ملكه، وعلى هذا فأجازوا على الله قالوا: يجوز لله أن يقلب التشريعات والجزاءات، ويجعل العفة محرمة والزنا واجبًا -والعياذ بالله!-، ويجوز على الله أن يُحَمِّل الأبرار والأنبياء أوزار الفجار والكفار، ويعذبهم ولا يكون ظالَمًا لهم؛ لأنه يتصرف في ملكه، وهذا من أبطل الباطل.
الله تعالى حرَّم الظلم على نفسه، وهو قادر على الظلم، لو كان لم يكن قادرًا على الظلم؛ ما الفائدة من التحريم ؟ يُحَرِّم شيئًا وهو لا يقدر عليه ؟! ولو كان الظلم غير مقدور عليه لما قال الله: ((لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ)) ولا قال: ((فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)) الشيء الذي لا يُقدَر عليه هل يؤمّن منه الإنسان ؟ هل يخاف الإنسان الشيء الذي لا يقدر عليه ؟ لا يخافه، فلما قال الله ((فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)) دل على أنه قادر عليه، فحرم الظلم على نفسه تنزهًا منه وهو قادر عليه، فدل على بطلان قول أيش ؟ الأشاعرة والجهمية أن الظلم: تصرف المالك في غير ملكه.
والصواب: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كأن يمنع أحدًا من حقه، أو يُحَمِّله وزر غيره، هذا هو الظلم، هذا مؤكد، فالله لا يظلم أحدًا، فلا يحمل أحدًا وزر غيره، ولا يمنعه ثواب أعماله.
(... لا يجوز أن يقال لله تبارك وتعالى: إنه ظالم، وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، الخلق خلقه والدار داره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يقال: لِمَ وكيف، لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه).
هل هذا يتمشى مع مذهب الجبرية وإلا مع مذهب أهل السنة ؟
(وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له) هذا يتمشى مع مذهب الجبرية ! إذًا الصواب: أنَّ الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، هذا يتمشى مع مذهب الجبرية القائلين بأن الظلم: تصرف المالك في غير ملكه، والصواب الذي عليه أهل السنة؛ أن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأن الله تعالى لا يظلم لكمال عدله، لا لعجزه، وقد حرَّم على نفسه الظلم، كما في الحديث: (إني حرَّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرمًا).
وقوله: (لا يُسأل عما يفعل): لا يُسأل عما يفعل لكمال عدله، لكونه حكيم، ولكونه عادل، والجبرية يقولون: لا يُسأل عما يفعل لكونه يتصرف بالقدرة والمشيئة، ينكرون الحِكَم.
وكان ينبغي على المؤلف أن يُقَرِّر مذهب أهل السنة والجماعة ويقول: وإنما يظلم من يضع الشيء في غير موضعه، كأن يُحَمِّل أحدًا وزر غيره، أو يمنعه من حقه، أما قوله: (مَن يأخذ ما ليس له) هذا يتمشى مع مذهب الجبرية القائلين بأن الظلم ... هو تصرف المالك في غير ملكه، والله جل ثناؤه له الخلق والأمر، والخلق خلقه والدار داره، فإذا تصرف فيما يشاء فلا يكون ظلمًا، هذا يتمشى مع مذهب الجبرية (لا يُسأل عما يفعل)، لماذا ؟ لأنه تصرف في ملكه، وأهل السنة يقولون: لا يسأل عمَّا يَفعل لكمال حكمته، ولكمال عدله، وهم يُسألون.
(ولا يقال: لِمَ وكيف): لا يقال: "لِمَ" في أفعال الله، لا يُعترض على الله، فلا يقال: لِمَ فعل كذا ؟ ولا يقال: كيف صفته ؟ كيف استواؤه ؟ لا يتوجه السؤال إلى الله بـ "لِمَ" ولا "كيف"، "لِمَ" في الأفعال، و"كيف" في الصفات.
(لا يدخل أحد بين الله وبين خلقه) ليش لا يُسأل .. "لِمَ" ؟ لأنه حكيم، يضع الأشياء في مواضعها، لا لأنه يفعل بالقدرة والمشيئة فقط، نعم، فلا بد لطالب العلم أن يفرق بين مذهب أهل السنة في الظلم وبين مذهب الجبرية، نعم.) اهـ
وقال -حفظه الله- معلقًا على حديث:
(لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم).
قال: (والمعنى: إن الله -تعالى- لو وضع عدله بين عباده لحاسبهم حينئذ بنعمه عليهم وعملهم، وحينئذ يكونون مدينين، فلو عذبهم لعذبهم غير ظالم لهم؛ لأن العمل ما يقابل النعم، لكنه -سبحانه- لا يضع عدله، (لو عذبهم) يعني: لو وضع عدله فيهم؛ لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لكنه -سبحانه وتعالى- يتفضل عليهم، نعم.) اهـ
[من تعليقه على كتاب "التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية" للشيخ عبد العزيز الرشيد -رحمه الله-]
وقال الشيخ صالح آل الشيخ في شرحه على "الطحاوية":
(... والحديث الثاني وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو داوود وغيره وصحَّحَهُ بعض العلماء؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) الحديث.
يعني أنَّ أهل السموات والأرض لو عَذَّبَهُمْ الله - عز وجل - لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم.
المعتزلة يَرُدُّون هذه الأحاديث أصلاً، والأشاعرة يُجَوِّزُونَ أن يُعَذِّبَ الله -عز وجل- الناس من غير سبب؛ لأنهم لا حكمة عندهم ولا تعليل لأفعال الله، يفعل ما يشاء بدون علة وبدون سبب، ومنها أَخَذَ صاحب السَّفَارينية في قوله في منظومته، السَّفاريني:
وجَازَ للمولى يعذب الورى من غير ما ذنبٍ ولا جُرْمٍ جرى
يقول (جائز أن يُعَذِّبَ الورى) يعني الله -عز وجل- من غير ما ذنب ولا جرم جرى.
هذا الحديث أهل السنة لا يُفَسِّرُونه بهذا ولا بهذا؛ يل يفسرونه بعِظَمِ معرفتهم لربهم - جل جلاله - وخشيتهم له ومعرفتهم بحقوقه، فيقول أئمة أهل السنة:
بأنَّ أهل السموات وأهل الأرض إنَّمَا قاموا برحمة الله -عز وجل-، فما فيهم حركة ولا حياة ولا شأن إلا وفي كلٍّ منها فضل من الله -عز وجل-؛ ورحمة ونعمة أفاضها عليهم؛ بها قامت حياتهم وبها استقاموا، كما قال -عز وجل- ((وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ))، فمِنْ حَقِّهِ -عز وجل- على هذا العبد المكلف الذي لا ترمش عينه إلا بنعمة، ولا يأكل إلا بنعمة، ولا يتنفس إلا بنعمة، ولا يتعلم إلا بنعمة، ولا يخطو خطوة إلا بنعمة، ولا ينظر إلا بنعمة، ولا يسمع إلا بنعمة، ولا يتكلم إلا بنعمة، ولا يفرح إلا بنعمة، إلى آخر نِعم الله -عز وجل- التي لا تُحْصَى ولا تُعَد، من حقه -عز وجل- أن يُقَابَلَ مع كل نعمة بشكر يقابل تلك النعمة.
فإذًا سيمضي حياته في شكر الله -عز وجل- على الصغير والكبير، فهل تسع حياة المكلفين ذلك ؟ لا تسع ذلك.
ولهذا تأمل مع هذا قول الله -عز وجل- لنبيه ((إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)).
وتأمَّلْ قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة لما قام حتى ورمت قدماه -صلى الله عليه وسلم- (أفلا أكون عبدًا شكورًا) ولن يَبْلُغْ جميعَ ما يَسْتَحِقْ الله -عز وجل- من الشكر بالعمل؛ بل لابد من الاستغفار والإنابة حتى يكْمُلَ شكر العبد لربه -عز وجل-.
وتأمل أيضًا ما عَلَّمَهُ -صلى الله عليه وسلم- الصدِّيق الذي هو أفضل هذه الأمة أن يقول في آخر صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك) كيف عَبَّرَ هنا بالظلم (ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) لِمَ ؟
هل ظلم أبو بكر بارتكاب الكبائر ؟ حاشا وكلا.
هل ظَلَمَ بِظُلْمِ العباد ؟ حاشا وكلا.
هل ظلم أبو بكر -رضي الله عنه- بالتقصير في حق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي الاستجابة لله ولرسوله الظلم الكثير ؟ حاشا وكلا.
ولكن ينظر العبد إلى ما يُفَاضُ عليه من النِّعَمِ في كل لحظة، فيشعر بأنه مُقَصِّرْ، والله -عز وجل- وصف القليل من الإعراض في حق العبد بأنه من الظلم، ووَصَفَ الكثير بأنه من الظلم، فلهذا يشعر المؤمن بأنَّهُ ظلم نفسه ظلمًا كثيرًا؛ لأنه لا يمكن أن يشكر حقيقة الشكر.
فلو حاسَبْ الله -عز وجل- العباد، حاسب أهل السموات وأهل الأرض على حقيقة شكر ما أنعم الله به عليهم، وأعظم ذلك أن جعلهم مُتَّصِلِينَ منه بسبب، ومرفوعين إليه -عز وجل-، وأنهم من المنيبين، وأنهم من المهتدين، لما قامت حيلة العبد، ولما قام إيمانه، ولما قام له شيء؛ ولكن ما ثَمَّ إلا رحمة الله -عز وجل- (لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلاً).
فإذًا ننظر إلى قوله (لو عذَّب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبه وهو غير ظالم لهم) لأنَّ الشكر لن يكون في تمامه، فإذًا هم لن يُعْدَمُوا؛ بل لن يكونوا إلا مُقَصِّرِين، لن يكونوا إلا لم يُوَفُّوا مقام الشكر حقه.
بل حتى التوبة والإنابة إذا العبد كَمَّلَ الشكر بتوبته وإنابته دائمًا واستغفاره؛ فإن قَبُول التوبة وحصول المغفرة وقبول الإنابة من العبد أليست هذه نعمة تستحق شكرًا مجددًا ؟
فإذًا؛ لو عَذَّبَ الله أهل سمواته وأهل أرضه لَعَذَّبَهُم وهو غير ظالم لهم، فلا يبرح العبد أن يرى نعمة الله -عز وجل- تُفِيْضَ عليه في أمر دينه وفي أمر دنياه، وليس ثَمَّ أمامه سبيل إلا أن يشعر بالتقصير...
هذا تفسير الظلم عند الطوائف المشهورة: القدرية وهم المعتزلة والجبرية وهم أصناف والمتكلمين وقول أهل السنة فيما بين هؤلاء وهؤلاء) اهـ
الثلاثاء، 4 مارس 2014
قبح الزنا والإباحية عقلا ...
الدكتور هشام عزمي - منتدى التوحيد ..
بسم الله ..
خلق الله تبارك وتعالى الزوجين الذكر والأنثى وأودع فيهما ما يجعل أحدهما يميل إلى الآخر ..
وهو المعروف بالرغبة الجنسية أو الميلان الجنسي ..
ثم إنه تبارك وتعالى ركّب في الرجل من الشهوة ما يفوق قوته وطاقته بمراحل ..
وجعل هذه الشهوة غير محدودة بحد ولا مضبوطة بضابط ..
ولا مقيدة بوقت من أوقات الليل والنهار ، ولا بفصل من فصول السنة ..
ثم إنه ليس في جبلة الإنسان ما يقف به عند حد معين ..
بل ركب الله من أسباب الجاذبية في الجنسين ما لا يعد ولا يحصى ..
وجعل في هيئة الجسم وتناسبه وتركيبه وأجزائه وحركاته ولفتاته ، بل في رنة الصوت ونظرة العين قوة جاذبة أخاذة ..!
وهذه كلها نوازع تحرك الشهوة وتجعل الواحد يميل إلى الجنس الآخر ..
فلماذا خلق الله تبارك وتعالى الإنسان على هذه الجبلة والنزعة العارمة ..؟
ألمجرد بقاء النوع ..؟
لا ، لأن النوع الإنساني لا يحتاج إلى كل هذا التناسل للبقاء ، فهو ليس كالسمك أو الذباب ..!
ألمجرد توفير اللذة والمتعة ..؟
لا ، لأن الإنسان لو أتى الوظيفة الجنسية بقدر عشر ما فيه من الشهوة والنزوع الجنسي لخانته طاقته ولخارت قواه ..!
وهذا يدل على أن سبب قوة الشهوة عند الإنسان ليس مجرد إتيان الوظيفة الجنسية ..
بل هو تقوية الرابطة بين الرجل والمرأة إلى جعلها علاقة ثابتة مطردة ..
ولأجل ذلك ركب في طبع المرأة من الحياء والاحتشام والصدود والامتناع ما يجعل الرجل مشدودًا دومًا إليها ..
فالمقصود من هذه الجبلة الجنسية هو تحقيق الاتصال الدائم بين الزوجين فيما يعرف بنظام الأسرة ..
لا أن تكون كل العلاقة بينهما هي مجرد عملية جنسية ..
خلق الله تبارك وتعالى الزوجين الذكر والأنثى وأودع فيهما ما يجعل أحدهما يميل إلى الآخر ..
وهو المعروف بالرغبة الجنسية أو الميلان الجنسي ..
ثم إنه تبارك وتعالى ركّب في الرجل من الشهوة ما يفوق قوته وطاقته بمراحل ..
وجعل هذه الشهوة غير محدودة بحد ولا مضبوطة بضابط ..
ولا مقيدة بوقت من أوقات الليل والنهار ، ولا بفصل من فصول السنة ..
ثم إنه ليس في جبلة الإنسان ما يقف به عند حد معين ..
بل ركب الله من أسباب الجاذبية في الجنسين ما لا يعد ولا يحصى ..
وجعل في هيئة الجسم وتناسبه وتركيبه وأجزائه وحركاته ولفتاته ، بل في رنة الصوت ونظرة العين قوة جاذبة أخاذة ..!
وهذه كلها نوازع تحرك الشهوة وتجعل الواحد يميل إلى الجنس الآخر ..
فلماذا خلق الله تبارك وتعالى الإنسان على هذه الجبلة والنزعة العارمة ..؟
ألمجرد بقاء النوع ..؟
لا ، لأن النوع الإنساني لا يحتاج إلى كل هذا التناسل للبقاء ، فهو ليس كالسمك أو الذباب ..!
ألمجرد توفير اللذة والمتعة ..؟
لا ، لأن الإنسان لو أتى الوظيفة الجنسية بقدر عشر ما فيه من الشهوة والنزوع الجنسي لخانته طاقته ولخارت قواه ..!
وهذا يدل على أن سبب قوة الشهوة عند الإنسان ليس مجرد إتيان الوظيفة الجنسية ..
بل هو تقوية الرابطة بين الرجل والمرأة إلى جعلها علاقة ثابتة مطردة ..
ولأجل ذلك ركب في طبع المرأة من الحياء والاحتشام والصدود والامتناع ما يجعل الرجل مشدودًا دومًا إليها ..
فالمقصود من هذه الجبلة الجنسية هو تحقيق الاتصال الدائم بين الزوجين فيما يعرف بنظام الأسرة ..
لا أن تكون كل العلاقة بينهما هي مجرد عملية جنسية ..
-------------------
قلنا إن الطريق الذي تريده الفطرة هو أن يكون بين الرجل والمرأة اتصال أبدي بصورة النكاح ..
ويكون هذا الاتصال أساسًا للنظام العائلي ..
ولهذا السبب خلق الله تعالى الطفل البشري أضعف وأعجز من نتاج سائر الحيوانات ..
فتجده يحتاج - بخلاف الحيوانات الأخرى - إلى رعاية والديه وتربيتهما لسنين طويلة ..
ويتأخر فيه نشوء القوة والأهلية لكسب القوت والاعتماد على النفس في المعاش والرزق ..
وهذا مما يراد به ألا ينحصر اتصال الرجل والمرأة في التعلق الجنسي فقط ..
بل تحملهما نتيجة هذا التعلق على التعاون في أمور الحياة وتربية الأولاد ..
ولهذا كذلك فطر الله الإنسان أحنى على أولاده وأكثر حبًا لهم من سائر الحيوان ..
فالحيوانات تفارق أولادها بعد أن تربيها لفترة ، ثم تنقطع بينهما الأسباب فلا يعرف بعضها بعضًا ..
أما الإنسان فيظل مأسور الفؤاد بحب أولاده ، حتى بعد انقضاء مدة التربية ..
ثم يمتد حبه هذا إلى أولاد أولاده .. إلخ ..
ويبلغ من سلطان هذا الحب أنه يحب لأولاده أكثر مما يحب لنفسه ..
ويود في قرارة نفسه أن يهييء لهم أكثر ما يحب لنفسه من أسباب المعاش ..
بل ويورثهم كل ثمرات أعماله ومجهوداته في الدنيا وخبراته وعلومه كلها ..
فها هي الفطرة تريد أن تكون الرابطة الجنسية بين الرجل والمرأة أداة لإنشاء العائلة ..
ثم تمضي هذه السلسلة من حب الأولاد والأقارب لتربط العائلات بروابط الصهر والنسب ..
فتكون هذه هي النواة لنظام المجتمع بأسره ..
ويكون هذا الاتصال أساسًا للنظام العائلي ..
ولهذا السبب خلق الله تعالى الطفل البشري أضعف وأعجز من نتاج سائر الحيوانات ..
فتجده يحتاج - بخلاف الحيوانات الأخرى - إلى رعاية والديه وتربيتهما لسنين طويلة ..
ويتأخر فيه نشوء القوة والأهلية لكسب القوت والاعتماد على النفس في المعاش والرزق ..
وهذا مما يراد به ألا ينحصر اتصال الرجل والمرأة في التعلق الجنسي فقط ..
بل تحملهما نتيجة هذا التعلق على التعاون في أمور الحياة وتربية الأولاد ..
ولهذا كذلك فطر الله الإنسان أحنى على أولاده وأكثر حبًا لهم من سائر الحيوان ..
فالحيوانات تفارق أولادها بعد أن تربيها لفترة ، ثم تنقطع بينهما الأسباب فلا يعرف بعضها بعضًا ..
أما الإنسان فيظل مأسور الفؤاد بحب أولاده ، حتى بعد انقضاء مدة التربية ..
ثم يمتد حبه هذا إلى أولاد أولاده .. إلخ ..
ويبلغ من سلطان هذا الحب أنه يحب لأولاده أكثر مما يحب لنفسه ..
ويود في قرارة نفسه أن يهييء لهم أكثر ما يحب لنفسه من أسباب المعاش ..
بل ويورثهم كل ثمرات أعماله ومجهوداته في الدنيا وخبراته وعلومه كلها ..
فها هي الفطرة تريد أن تكون الرابطة الجنسية بين الرجل والمرأة أداة لإنشاء العائلة ..
ثم تمضي هذه السلسلة من حب الأولاد والأقارب لتربط العائلات بروابط الصهر والنسب ..
فتكون هذه هي النواة لنظام المجتمع بأسره ..
-------------------
إذن فإن الطريق الذي تريده الفطرة هو أن يكون بين الرجل والمرأة اتصال أبدي بصورة النكاح ..
وأن يكون هذا الاتصال بينهما أساسًا للنظام العائلي ..
وهذا النظام العائلي هو الذي ييسر للمجتمع كل ما يحتاج إليه من الآلات الميسرة لنظامه الواسع ..
فما أن يبلغ الفتية والفتيات سن البلوغ حتى يهتم رؤساء العائلة بأن يلتمسون لهم أزواجًا يوافقوهم ..
حتى ينتجوا بتواصلهم نسلاً أعلى وأجود ..
ثم متى أنسلوا نسلاً يجتهد كل عضو من أعضاء العائلة أن يربيه أحسن تربية ..
فيجد الطفل في محيط العائلة بيئة من العطف والحب والحنان والرعاية والتعهد تكون عاملاً على سلامة نموه ..
ولا يوجد خارج محيط العائلة أي بيئة تساهم في نمو الطفل نموًا سليمًا بدافع الحب والإخلاص المجرد ..
بل الأبوان يحبان أن يجدا الأولاد في حال أحسن من حالهما وعلى مكانة أرقى من مكانتهما ..
فيجتهدان من تلقاء نفسيهما أن يجعلا الجيل اللاحق أحسن من الجيل السابق ..
ويمهدان بذلك سبيل الارتقاء في سلم المدنية والحضارة ..
وهذا الجهد والسعي من الأبوين لا تشوبه شائبة من أثرة أو منفعة ذاتية ..
فهما لايريدان شيئًا لنفسيهما ، وإنما يريدان فلاح أولادهما ويعتبران نجاحهم جزاءً وافيًا لمجهوداتهما ..
فبالله عليك ، أين يمكن أن تجد خارج النظام العائلي أمثال هؤلاء العاملين المخلصين والخادمين الأوفياء ..؟!
فهم لا يكتفون ببذل هذه الخدمات للجيل اللاحق بدون أجر ..
بل هم يبذلون لهذه الخدمة كل ما يملكون من الوقت والراحة والقوة والمال وتحري الإتقان ..
ويضحون بكل غال ونفيس في سبيل هذا الأمر الذي لا تنفعهم ثمراته ..
بل يجني ثمرات هذا المجهود البالغ غيرهم ..
وأن يكون هذا الاتصال بينهما أساسًا للنظام العائلي ..
وهذا النظام العائلي هو الذي ييسر للمجتمع كل ما يحتاج إليه من الآلات الميسرة لنظامه الواسع ..
فما أن يبلغ الفتية والفتيات سن البلوغ حتى يهتم رؤساء العائلة بأن يلتمسون لهم أزواجًا يوافقوهم ..
حتى ينتجوا بتواصلهم نسلاً أعلى وأجود ..
ثم متى أنسلوا نسلاً يجتهد كل عضو من أعضاء العائلة أن يربيه أحسن تربية ..
فيجد الطفل في محيط العائلة بيئة من العطف والحب والحنان والرعاية والتعهد تكون عاملاً على سلامة نموه ..
ولا يوجد خارج محيط العائلة أي بيئة تساهم في نمو الطفل نموًا سليمًا بدافع الحب والإخلاص المجرد ..
بل الأبوان يحبان أن يجدا الأولاد في حال أحسن من حالهما وعلى مكانة أرقى من مكانتهما ..
فيجتهدان من تلقاء نفسيهما أن يجعلا الجيل اللاحق أحسن من الجيل السابق ..
ويمهدان بذلك سبيل الارتقاء في سلم المدنية والحضارة ..
وهذا الجهد والسعي من الأبوين لا تشوبه شائبة من أثرة أو منفعة ذاتية ..
فهما لايريدان شيئًا لنفسيهما ، وإنما يريدان فلاح أولادهما ويعتبران نجاحهم جزاءً وافيًا لمجهوداتهما ..
فبالله عليك ، أين يمكن أن تجد خارج النظام العائلي أمثال هؤلاء العاملين المخلصين والخادمين الأوفياء ..؟!
فهم لا يكتفون ببذل هذه الخدمات للجيل اللاحق بدون أجر ..
بل هم يبذلون لهذه الخدمة كل ما يملكون من الوقت والراحة والقوة والمال وتحري الإتقان ..
ويضحون بكل غال ونفيس في سبيل هذا الأمر الذي لا تنفعهم ثمراته ..
بل يجني ثمرات هذا المجهود البالغ غيرهم ..
-------------------
مما هو بديهيٌ ومعلومٌ أن المقصود من خلق الإنسان زوجين وخلق الجاذبية الجنسية هو بقاء النوع ..
لكن الواقع أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تطالب الإنسان بهذا فقط ..
بل هي تطالبه بأمورٍ أخرى ..
فمما يلفت النظر في هذا الصدد كون الطفل البشري أضعف من سائر الحيوانات ..
وهو يحتاج وقتًا أكبر وعنايةً أبلغ لأجل رعايته وتربيته وتنشئته ..
فهو يحتاج لمجرد قضاء حاجاته الحيوانية المحضة بنفسه لعدد كبير من الأعوام ..
بل هو يبلغ من الضعف والعجز أنه لا يمكن أن يحيا ويعيش في سنواته الأولى دون رعاية فائقة ..
لكن الإنسان مهما كان بدائيًا ، فلابد له من درجة ولو يسيرة من الحضارة والمدنية ..
وهذه الحضارة أو المدنية تضيف إلى واجبه من تربية الأولاد أعباءً إضافية ..
منها: أنه ينبغي له أن يستعمل لتربية ولده كل ما يتيسر له من وسائل الحضارة ..
ومنها كذلك: أنه يربيه تربية تؤهله لتدبير شئون المجتمع على نفس المستوى الحضاري الذي ولد فيه ..
فالأب يعلم ولده كل شيء بداية من القراءة والكتابة وكيفية فتح باب الشقة بالمفتاح حتى قيادة السيارة واستعمال الكمبيوتر ..
لكن الواقع أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تطالب الإنسان بهذا فقط ..
بل هي تطالبه بأمورٍ أخرى ..
فمما يلفت النظر في هذا الصدد كون الطفل البشري أضعف من سائر الحيوانات ..
وهو يحتاج وقتًا أكبر وعنايةً أبلغ لأجل رعايته وتربيته وتنشئته ..
فهو يحتاج لمجرد قضاء حاجاته الحيوانية المحضة بنفسه لعدد كبير من الأعوام ..
بل هو يبلغ من الضعف والعجز أنه لا يمكن أن يحيا ويعيش في سنواته الأولى دون رعاية فائقة ..
لكن الإنسان مهما كان بدائيًا ، فلابد له من درجة ولو يسيرة من الحضارة والمدنية ..
وهذه الحضارة أو المدنية تضيف إلى واجبه من تربية الأولاد أعباءً إضافية ..
منها: أنه ينبغي له أن يستعمل لتربية ولده كل ما يتيسر له من وسائل الحضارة ..
ومنها كذلك: أنه يربيه تربية تؤهله لتدبير شئون المجتمع على نفس المستوى الحضاري الذي ولد فيه ..
فالأب يعلم ولده كل شيء بداية من القراءة والكتابة وكيفية فتح باب الشقة بالمفتاح حتى قيادة السيارة واستعمال الكمبيوتر ..
وكلما كانت الحضارة أكثر تمدنًا ورقيًا كانت الأعباء التربوية والتعليمية أثقل وأبهظ ..
ثم إن الحضارة لا تكتفي بالأفراد ذوي الثقافة العالية والإمكانيات العالية لقيامها وبقائها ..
بل هي تتطلب كذلك أن يكون كل جيلٍ لاحقٍ أعلى رتبةً وأكمل مهارةً من الجيل السابق ..
أي: تتطلب من كل أبٍ أن يربي ولده تربية أحسن من تربيته وأن ينشئه تنشئة خير من تنشئته وأعلى من مستواه ..
فتأمل ..!
هذه هي مطالب الحضارة والمجتمع المتمدن ..
وأول من تتوجه له هذه المطالب هو المرأة ..!
وذلك أن الرجل قد يكون منه أن يتصل بالمرأة ساعة من الزمن ، ثم يبتعد عنها بعدها ..
فينأى الرجل بنفسه عن تبعة هذا الاتصال ، ويكون على المرأة أن تتحمل هذه التبعة طول عمرها ..
فإنها إذا حملت فسوف يكون عليها واجب العناية والرعاية لهذا الطفل ..
ثم هي تتحمل كل تبعات تربيته وتنشئته حتى يصبح قادرًا على الكسب وتدبير معاشه ..
فكيف يكون لطرف واحد أن يتحمل كل تبعات وأعباء هذا الاتصال الذي اشتركا فيه جميعًا ..؟!
لهذا وجب على الرجل الذي اتصل بامرأة أن يتحمل نصيبه من الأعباء والتبعات الناتجة عن هذا الاتصال ..
لكن كيف يمكن إقناعه بتحمل هذه المسئولية الباهظة وقد جُبل المرء على حب المصلحة الشخصية ..؟
فالواجب الطبيعي من الحفاظ على النوع ، فقد تم تحقيقه بمجرد الاتصال الحنسي فالحمل فالإنجاب ..
وهنا ينتهي دور الرجل الطبيعي ..!
ثم ما الذي يدفع الرجل لتحمل مصاريف هذا الطفل النكد ..؟
وما الذي يدفعه ليحرم نفسه من النومة الهنيئة بصراخ هذا الخبيث في جوف الليل ..؟
ثم ما الذي يدفعه لترك هذا الشيطان الصغير يحبو في البيت عابثُا بكل ما فيه ومحطمًا ما تطاله يداه ..؟
ثم هو بعد ذلك يترك بوله وبرازه في كل مكان بالشقة ولا يفلح فيه نهي ولا زجر ..!!!
إن الله تبارك وتعالى قد حلّ هذه المشكلة جزئيًا بأن جعل في هذا الصغير قوةً عارمةً ، ألا وهي حب أبويه ..
وهذا رغم حماقاته المستفزة وخسائره في كل مكان بالبيت ..!
لكن هذا أيضًا لا يكفي لما في طبع الرجل من الأثرة والأنانية وحب مصلحة الذات ..
فما الحل إذن ..؟؟
إنها من معجزات الدين حقًا أنه يحض الإنسان على التضحية والإيثار لأجل بناء الأسرة ..
وأنه يحول هذا الكائن الأناني إلى إنسان يعمل على تشكيل الأسرة وبناء المجتمع ..
وإن الأنبياء والمرسلين هم الذين فهموا مقاصد الفطرة وآليات تأسيس المجتمع فهمًا صحيحًا ..
فقرروا الصورة الصحيحة للعلاقة بين الرجل والمرأة ، وهي النكاح ..
وهم الذين جرت على أيديهم سنة النكاح في كل أمة وشعب ..
وهم الذين أعدوا الإنسان لتحمل متاعب الحياة ومصاعبها ..
وإلا فمن أحق بأن يكون عدوًا للطفل من أبويه ..؟!
وعلى هذه القواعد التي وضعها الأنبياء والرسل تأسس النظام الأسري التي يربط الرجال والنساء برباط المسئولية والمشاركة ..
وإلا فإن الشهوة العارمة لا يقف أمامها مجرد الالتزام الأدبي ..
إن غريزة الشهوات تنزع إلى الفردية والأنانية والفوضى ، وليس فيها ثبات ولا شعور بالمسئولية ..
وليس فيها إلا الاندفاع لتلبية نداء اللذة المحمومة ..
وليس من الهين تسخير هذه الرغبة المسعورة لخدمة مصالح الحياة التي تتطلب الصبر والثبات وتحمل المسئولية ..
فليس غير قانون النكاح يذلل هذا السعار وينزع منه الخبث والفوضى والأثرة والأنانية ..
حتى يجعله أداة لتعان الرجل والمرأة وتشاركهما في تحمل أعباء الحياة وإعمارها ..
يتضح مما سبق أن المقصود بهذه الرغبة الجنسية العارمة المركوزة في جسد الإنسان هو صرف فردية الإنسان إلى الجماعية ..
وأن الله تعالى قد جعلها قوة محركة لبناء المجتمع ثم ارتقائه في سلم الحضارة والمدنية ..
فبهذا الانجذاب الدائم والتواصل المستمر تكون بداية الحياة الاجتماعية ..
ثم إن الجنس البشري يحتاج لأجل بقائه وارتقائه إلى ملايين من الأزواج الذين يتقدمون للقيام بهذه الخدمة ..
أي: خدمة بناء الأسرة ، راضين مختارين ..
فيتعاقدون بينهم بالزواج ويؤسسون المزيد من الأسر ..
فهذا المعمل الإنتاجي العظيم ما كان ليجري ما لم يظل هؤلاء العاملون المتطوعون يتقدمون بانتظام لهذه المهمة ..
وإذا انقطعت سلسلة هذا التطوع ، انقطع سبيل رقي المجتمع بل حتى بقائه ..
فمن يعمل في هذا المجتمع ليست وظيفته أن ينتج فحسب ..
بل واجبه أن يعني بإنتاج أمثاله من العاملين الذي يقومون مقامه من بعده ..
فأنت إن تدبرت الأمر من هذه الجهة وجدت أن الزواج لا يمثل فقط السبيل الشرعي لإرواء الرغبة الجنسية ..
بل هو في الواقع فريضةٌ جماعيةٌ ، وحقٌ أصيلٌ للجماعة على الفرد ..
وليس للمرء أن يختار إن كان سيتزوج أم لا ، لأن من يرفض المشاركة في بناء الأسرة هو طفيلي على مجتمعه ..
لأن ما من فرد في المجتمع إلا وقد استفاد من هذه الثروة العظيمة التي هيأتها له الأجيال السابقة ..
ولم يكن له أن يوجد وينشأ نشأة سليمة إلا بفضل النظم والمؤسسات التي أسسها هذا المجتمع ..
فهو في هذا كله يأخذ ولا يعطي ، والمجتمع يربيه وينشئه بغرض أن يقوم بنفس الدور مستقبلاً ، فلا يفعل ..!
ثم هو بعد أن يشتد ساعده يقول : لن أفعل إلا أن أشبع شهواتي فحسب دون مسئوليات ..
فهذا غادرٌ بالجماعة عدوٌ لها ، وكل حياته بين الجماعة ظلمٌ وعدوانٌ ..
ولو كان للجماعة حسٌ أو شعورٌ لرجمه كل فرد فيها عيانًا جهارًا بدلاً من أن يدعوه بالسيد أو الأستاذ أو الآنسة ..!
فإننا بلا شك قد توارثنا كل هذه الثروة التي منحتها لنا الأجيال السابقة - بإرادتنا أو بدونها ..
فكيف يجوز لنا الآن أن تكون لنا الحرية في أمر هذا القانون الفطري الذي كان سبب تنعمنا وميراثنا ..؟
كيف يمكن أن تكون لنا الخيرة في تفعيل هذا القانون من عدمه ..؟
كيف تكون لنا الخيرة في أن نعد الجيل الذي يرث هذه الثروة أو لا نعد ..؟
كيف تكون لنا الخيرة قي أن نربي نفوسًا أخرى كما تربينا أو لا نربي ..؟
ولنضرب أمثلة تقرب المسألة إلى الأذهان :
فالطبيب الذي استفاد من علوم وبحوث ودراسات الأجيال التي سبقته من الأطباء والعلماء والباحثين لا يحق له أن يكتم علمه عن الأجيال التالية من الأطباء ..
بل واجبه أن يعلمهم ويسقيهم كل علومه وخبراته ومهاراته ..
فإن استأثر الطبيب بعلمه وضن به على طلابه ومساعديه نبذوه وانفضوا من حوله ..
لأنه إن كرّس كل علمه لأجل عيادته الخاصة وحرم غيره من الأطباء منه كان غير مرحبٍ به في المحافل والمؤتمرات الطبية ..
ويظل بين أهل مهنته مذمومًا منبوذًا ..
كذلك إن ظن حرفيّ بمهارات حرفته عن مساعديه ومعاونيه وصبيانه لانفضوا من حوله ..
وهكذا في كل من يبخل فإنما يبخل عن نفسه ..
فلا يلقى التقدير والاحترام والاعتبار إلا عند من لا خلاق له ..
يتبين من هذا الأمر أن مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة هي مسألة جوهرية للمجتمع بأسره ..
ويتوقف عليها صلاح المجتمع من فساده ، سلامته من انهياره ، خيره من شره ..
فإن - في ضوء ما قررناه - بين الجنسين نوعين من العلاقة :
علاقة حيوانية محضة جنسية شهوانية خالصة ، ليس المقصود منها إلا بقاء النوع ..
وعلاقة إنسانية يراد بها تعاون الزوجين في بناء الأسرة وتربية الأولاد وكل ما يشتركان فيه من الأغراض ..
بحسب ما أوتى كل منهما من الموهبة والقدرة والكفاءة ..
والمقصود بهذه العلاقة الإنسانية القيام بما ينفع المجتمع ويساهم في ارتقائه سلم الحضارة درجةً بعد درجة وجيلاً بعد جيل ..
وهذان العنصران من العلاقة الزوجية ممتزجان بصورة معتدلة ..
فإذا اضطرب هذا الاعتدال بينهما كان الفساد ممتدًا إلى المجتمع بأسره ..
لهذا كله فإن أهم ما يهمنا في هذا المقام الجليل هو كبح جماح الرغبة الجنسية والحد من طغيانها ..
خاصة أن العالمَ زاخرٌ بمالا يعد ولا يحصى من أسباب تهييج وإثارة الشهوة ..
فهذه الشهوة لو انشغل بها الإنسان وسعى في تحصيل اللذة منها لوجد أن هيامه الجنسي يزداد ويشتد ..
حتى أنه إذا تيسر له فرص إروائه وتسكينه ، فإنه لا يلبث أن يعود أكثر فحشًا وتوحشًا ..
حتى يتجاوز حد الاعتدال ..!
وتكون النتيجة أن البهيمية الجامحة في أعماقه ستلتهم إنسانيته ، بل ومجتمعه كذلك ..!
فإن الله عز وجل جعل الاتصال الجنسي لذيذًا ممتعًا لتحقيق مقصد معين وهو تشكيل الأسرة وبناء المجتمع والرقي المتواصل إلى أعلى ..
وليس المقصود من هذه اللذة أن تكون هدفًا وغايةً ومقصدًا ..
أما شغف الإنسان بهذه اللذة متجاوزًا حد القصد والاعتدال وانهماكه في طلبها فهو سبب البلاء ..
ففي بيئة طافحة بالطغيان الجنسي والتهييج المتواصل والسعار المستمر لابد أن يضعف النسل وتفسد الأبدان ..
فضلاً عن شرود الأذهان وتبعثر الأفكار وكثرة الفواحش وانتشار الأمراض الجنسية ..
ثم تقوم الحركات المختلفة لمنع الحمل وإسقاطه ، وقتل الأولاد ..
وهكذا في هاوية تبلغ بالمجتمع إلى الحضيض الخلقي والفكري والبدني ..
ثم تقوم الحركات المختلفة لمنع الحمل وإسقاطه ، وقتل الأولاد ..
وهكذا في هاوية تبلغ بالمجتمع إلى الحضيض الخلقي والفكري والبدني ..
-------------------
وبجانب الزواج وتأسيس الأسرة ، ينبغي كذلك سد باب قضاء الشهوة خارج حصن الزواج ..
لأنه لا يمكن أن يتحقق المقصد الفطري الإنساني الإجتماعي دون ذلك ..
فإن كثيرًا من الناس يعدون فعل الزنا أمرًا عاديًا لا ينبغي الإنكار عليه أو مكافحته ..
ويرون أن من الطبيعي أن يقع الاتصال الجنسي بين أي رجل وأي امرأة كلما اشتهياه وتراضيا عليه ..!
ذلك أنهم زعموا الإنسان حيوانًا محضًا ، وليس في العملية الجنسية إلا التوالد والتناسل وبقاء النوع ..
فمذهبهم هذا يعود بالضرر البالغ الجسيم على الجانب الإنساني والاجتماعي من الإنسان ..
فهو لا يسمح بتأسيس الأسرة ولا بناء المجتمع ولا رقيه وتمدنه كما سبق ووضحنا ..
فضلاً عن كونه يعود بالضرر كذلك على الطبيعة الحيوانية ..
لأن الرجل لا يقوم بكفالة الطفل إلا إن كان على ثقة من أنه من صلبه ..
فهو لن يتكلف في تربيته الجهد والإيثار والتضحية إن لم يكن على يقين بذلك ..
فضلاً عن أن المرأة إن لم تكن على يقين من استعداد الرجل لكفالتها ورعاية ولدها لم ترض أبدًا أن تعاني متاعب الحمل والرضاعة وتربية الطفل ..
فإذا نظرنا إلى هذه الجوانب وجدنا أن الرجل والمرأة سوف يتنصلان من هذا الطفل الجديد ..
إذن فلا داعي لإنجابه أصلاً ، فلا تكون غاية الاتصال الجنسي هي التوالد والتناسل ..
بل تكون غايته بينهما هي مجرد التلذذ والتمتع ..
وهذا مخالفٌ لمقصود الفطرة الحيوانية أصلاً ..!
وقد يقول بعضهم ما الضير في اثنين يقضيان بعض ساعاتهما في المتعة والسلوة ..؟
أي ضير يقع على المجتمع حتى يتدخل بينهما ..؟
فإذا انحصر الأمر بين شخصين في تمتع أحدهما بالآخر فأي مبرر للمجتمع حتى يحول بينهما ..؟
وإذا جاز التدخل في مثل هذه الشئون الداخلية جدًا ، فما الذي يبقى من معاني الحرية الشخصية ..؟!
هذا التصور للحرية الشخصية هو من ظلمات الباطل التي تتبدد مع أول إشراقة لشمس الحق ..
فإنه قد صار من المحقق علميًا الآن أن المجتمع عبارة عن نسيج مترابط متشابك لأبعد الحدود ..
وقد اشتبكت فيه حياة كل فرد بغيره من الأفراد سواء عرفهم أم لم يعرفهم ..
حتى أنه لم يعد يتصور أي فعل شخصي إلا وتعود آثاره على المجتمع بأسره ..
وهذا أمر معروفٌ علميًا بما يسمى تأثير الفراشة Butterfly Effect ..
فكما أنه لا يجوز للمرء أن يحمل عصاته الخشبية في زحام السوق ويديرها في الهواء كيف يشاء ..
ولا أن يقود سيارته بغير حيطة أو حذر ..
كذلك لا يجوز له أن يفعل أمرًا إلا بعد تقيده بالضوابط الإجتماعية المبنية على العلم بالعواقب ..
وللجواب التفصيلي على هذا السؤال عدة وجوه نذكر بعضها حسب الاستطاعة والله المستعان ..
الوجه الأول :
إن أول ما يجنيه الزاني على نفسه هو أن يعرض نفسه للإصابة بالأمراض الجنسية ..
وهو مما ينقص من قواه في خدمة مجتمعه ..
فإن المجتمع قد أقام جميع المؤسسات من البلدية إلى الدولة ، ومن المدرسة إلى الجندية ، ومن المصنع إلى معامل البحث العلمي معتمدًا على أن كل فرد من أفراد هذا المجتمع سوف يؤدي نصيبه المفروض لأجل إحكامها وترقيتها ..
فلما جاء هذا الغادر يبدد قوته وطاقته في هذا العمل الدنيء ..
ثم ابتلى بالأمراض الذي سوف تعيقه عن مسيرته الطبيعية في تنمية المجتمع ..
ثم هو يحتاج إلى الرعاية الطبية والصحية حتى يشفى مع ما في ذلك من تكاليف وأعباء على الدولة ..
فهو بذلك قد أضر مجتمعه ضررًا بالغًا ليس بهين ..
لأن مكانة الفرد في المجتمع إن فهمت حقيقتها حق الفهم ، لم تشك أن كل قوة المودعة في أجسامنا ليست لنا فقط ..
بل هي وديعة للمجتمع كله عندنا ، ونحن مسئولون عنها ..
فنحن حين نهلك نفوسنا أو نبدد قوانا أو نضر بأنفسنا من سيئات أعمالنا ، فلا يكون هذا فعل من أضاع شيئًا يملكه أو أضر بشيء له فيه مطلق التصرف ..
بل هو خيانةٌ فيما اُئتمنا عليه للمجتمع البشري ، وإضرارٌ بالغٌ به ..
ذلك أن وجودنا في هذا العالم يشهد أن غيرنا تحملوا الأعباء والتبعات والمشاق لإخراجنا من الظلمات إلى النور ..
لأنه لا يمكن أن يتحقق المقصد الفطري الإنساني الإجتماعي دون ذلك ..
فإن كثيرًا من الناس يعدون فعل الزنا أمرًا عاديًا لا ينبغي الإنكار عليه أو مكافحته ..
ويرون أن من الطبيعي أن يقع الاتصال الجنسي بين أي رجل وأي امرأة كلما اشتهياه وتراضيا عليه ..!
ذلك أنهم زعموا الإنسان حيوانًا محضًا ، وليس في العملية الجنسية إلا التوالد والتناسل وبقاء النوع ..
فمذهبهم هذا يعود بالضرر البالغ الجسيم على الجانب الإنساني والاجتماعي من الإنسان ..
فهو لا يسمح بتأسيس الأسرة ولا بناء المجتمع ولا رقيه وتمدنه كما سبق ووضحنا ..
فضلاً عن كونه يعود بالضرر كذلك على الطبيعة الحيوانية ..
لأن الرجل لا يقوم بكفالة الطفل إلا إن كان على ثقة من أنه من صلبه ..
فهو لن يتكلف في تربيته الجهد والإيثار والتضحية إن لم يكن على يقين بذلك ..
فضلاً عن أن المرأة إن لم تكن على يقين من استعداد الرجل لكفالتها ورعاية ولدها لم ترض أبدًا أن تعاني متاعب الحمل والرضاعة وتربية الطفل ..
فإذا نظرنا إلى هذه الجوانب وجدنا أن الرجل والمرأة سوف يتنصلان من هذا الطفل الجديد ..
إذن فلا داعي لإنجابه أصلاً ، فلا تكون غاية الاتصال الجنسي هي التوالد والتناسل ..
بل تكون غايته بينهما هي مجرد التلذذ والتمتع ..
وهذا مخالفٌ لمقصود الفطرة الحيوانية أصلاً ..!
وقد يقول بعضهم ما الضير في اثنين يقضيان بعض ساعاتهما في المتعة والسلوة ..؟
أي ضير يقع على المجتمع حتى يتدخل بينهما ..؟
فإذا انحصر الأمر بين شخصين في تمتع أحدهما بالآخر فأي مبرر للمجتمع حتى يحول بينهما ..؟
وإذا جاز التدخل في مثل هذه الشئون الداخلية جدًا ، فما الذي يبقى من معاني الحرية الشخصية ..؟!
هذا التصور للحرية الشخصية هو من ظلمات الباطل التي تتبدد مع أول إشراقة لشمس الحق ..
فإنه قد صار من المحقق علميًا الآن أن المجتمع عبارة عن نسيج مترابط متشابك لأبعد الحدود ..
وقد اشتبكت فيه حياة كل فرد بغيره من الأفراد سواء عرفهم أم لم يعرفهم ..
حتى أنه لم يعد يتصور أي فعل شخصي إلا وتعود آثاره على المجتمع بأسره ..
وهذا أمر معروفٌ علميًا بما يسمى تأثير الفراشة Butterfly Effect ..
فكما أنه لا يجوز للمرء أن يحمل عصاته الخشبية في زحام السوق ويديرها في الهواء كيف يشاء ..
ولا أن يقود سيارته بغير حيطة أو حذر ..
كذلك لا يجوز له أن يفعل أمرًا إلا بعد تقيده بالضوابط الإجتماعية المبنية على العلم بالعواقب ..
وللجواب التفصيلي على هذا السؤال عدة وجوه نذكر بعضها حسب الاستطاعة والله المستعان ..
الوجه الأول :
إن أول ما يجنيه الزاني على نفسه هو أن يعرض نفسه للإصابة بالأمراض الجنسية ..
وهو مما ينقص من قواه في خدمة مجتمعه ..
فإن المجتمع قد أقام جميع المؤسسات من البلدية إلى الدولة ، ومن المدرسة إلى الجندية ، ومن المصنع إلى معامل البحث العلمي معتمدًا على أن كل فرد من أفراد هذا المجتمع سوف يؤدي نصيبه المفروض لأجل إحكامها وترقيتها ..
فلما جاء هذا الغادر يبدد قوته وطاقته في هذا العمل الدنيء ..
ثم ابتلى بالأمراض الذي سوف تعيقه عن مسيرته الطبيعية في تنمية المجتمع ..
ثم هو يحتاج إلى الرعاية الطبية والصحية حتى يشفى مع ما في ذلك من تكاليف وأعباء على الدولة ..
فهو بذلك قد أضر مجتمعه ضررًا بالغًا ليس بهين ..
لأن مكانة الفرد في المجتمع إن فهمت حقيقتها حق الفهم ، لم تشك أن كل قوة المودعة في أجسامنا ليست لنا فقط ..
بل هي وديعة للمجتمع كله عندنا ، ونحن مسئولون عنها ..
فنحن حين نهلك نفوسنا أو نبدد قوانا أو نضر بأنفسنا من سيئات أعمالنا ، فلا يكون هذا فعل من أضاع شيئًا يملكه أو أضر بشيء له فيه مطلق التصرف ..
بل هو خيانةٌ فيما اُئتمنا عليه للمجتمع البشري ، وإضرارٌ بالغٌ به ..
ذلك أن وجودنا في هذا العالم يشهد أن غيرنا تحملوا الأعباء والتبعات والمشاق لإخراجنا من الظلمات إلى النور ..
ثم جاء نظام الدولة يرعانا ويصون نفوسنا من التلف ..
وبقيت أقسام الرعاية الصحية الحكومية تعمل لحفظ حياتنا وصحة أبداننا ..
ثم توفرت آلاف مؤلفة من الأنفس على توفير احتياجاتنا ولوازم حياتنا ..
وتعاملت جميع المرسسات الإجتماعية لتنشيء قوانا وتربي ملكاتنا حتى جعلتنا على ما نحن عليه الآن ..
أليس من العدل - في هذه الحالة - مقابلة الحسنة بالحسنة ..؟
أم هو الإنصاف أن نعود فنضيع كل هذه القوى الذي بذل غيرنا كل هذه الجهود والخدمات لإيجادها وإبقائها وتنشئتها وتنميتها ..؟!!
أو نعود فنجعلها مضرة بالإنسانية بدلاً من أن تكون مفيدة لها ..؟
لهذا حرم الله الإنتحار ، واللواط ، وأن ينكح المرء يده ..
ولهذه العلة لا يعتبر الزنا متعة فردية ، بل هو ظلمٌ للمجتمع كله ..
ثم إن الزاني لا يصاب بالمرض الجنسي وحده ، بل يصيب به غيره ..
فيتعدى الضرر إلى الآخرين ..
ثم هو ينتقل إلى أولاده وأولاد أولاده ، فيعانون بلا ذنب جنوه ..
وهذه من أهون ثمرات اللذة المحرمة ..
الوجه الثاني :
إن لم يكن حتميًا ابتلاء الزاني بالأمراض السرية ، فمن الحتمي اللازم ابتلاؤه بالسفاسف الخلقية ..
فالوقاحة والخديعة والكذب والدغل والأثرة والخضوع للشهوات وجموح النفس وشرود الفكر وذواقية الطبع وتطلعه إلى كل جديد والغدر وقلة الوفاء كلها من آثار الزنا التي تترتب على أخلاق الزاني نفسه ..
ومما لا ريب فيه أن من يجمع هذه الخصال لا تنحصر آثارها في شئونه الجنسية فقط ..
بل هو يتحف المجتمع كله بها في كل شعبة من شعب الحياة ..
وإن تفشت هذه الخصال في كثرة كاثرة من المجتمع فلا ريب أن تفسد الآداب والعلوم والفنون والمهن والصناعات والاقتصاد والعسكرية والسياسة والقضاء وتدبير الدولة ..
وفي النظام الديمقراطي المؤسس على حكم الشعب لنفسه فإن هذا الشعب إن كانت هذه الخصال بادية فيه ومتفشية فكيف يكون في سياسته ثباتٌ أو قرارٌ ..؟!
-------------------
الوجه الثالث :
إن مما تستلزمه إباحة الزنا أن تجري في المجتمع حرفة البغاء ..
وذلك أن من يرى للرجل أن يمتع نفسه بلذات الشباب فكأنه يرى أن تكون في المجتمع لهذا الغرض طبقة من النساء ..
ولكن من أين تأتي أولئك النساء ؟ ألا يخرجن من نفس المجتمع الذي يعيش فيه الزناة ..؟
ألا يكن من بناته وأخواته ..؟
فتنفر طائفة من النساء بدلاً من أن تكون ربة منزل أو مؤسسة أسرة أو مربية أولاد ليكن كمراحيض البلدية موضع قضاء وطر كل داعرٍ خليعٍ ..
فيتجردن من كل الخصال النسوية الشريفة ويتدربن على التكسب بالخلاعة والتمايل والدلال ..
وينحدرن إلى أن يبعن محبتهن وقلوبهن وأجسامهن لكل زائرٍ جديدٍ في كل ساعة ..
ويبقين مدة أعمارهن في هذه المهنة الوضيعة بدل القيام بخدمة نافعة مثمرة للمجتمع ..
الوجه الرابع :
إن إباحة الزنا تضر بنظام الأسرة حتى يؤول الأمر إلى أن يزول الزواج ويبقى الزنا وحده ..
لأنه لا يجوز في العقل والنظر أن تسمح بركوب القطار مثلاً دون تذكرة ثم تتوقع من الناس في نفس الوقت أن يدفعوا ثمن التذكرة ..!
فلا يعقل أن يباح للمرء أن يقضي شهواته دون تحمل للتبعات ، ثم تنتظر منه أن يتحمل هذه التبعات ..
فضلاً عن أن الميالين للزنا قلما يصلحون لتأسيس علاقة زوجية صحيحة ..
لأن السلوك الفاسد يبعث في نفوسهم سوء الدخيلة وفجور النظر وذواقية الطبع وتشرد الفكر ..
كما يربي فيهم من تقلب العواطف وعدم ضبط الشهوات ما يكون معه المرء غير قادر على إقامة مؤسسة الأسرة التي تبنى على الثبات والرسوخ والاستقرار في الفكر والقلب ..
فهؤلاء إن ارتبطوا برباط الزواج فلن تتحق بينهم صلات حسن المعاملة والمحبة والوفاء والثقة والانسجام والمواءمة ..
ولن يعودوا قادرين على إنشاء البيت المعمور بالراحة والسعادة ..
وبالتالي لن يكونوا قادرين على إنشاء جيلٍ يتمتع بالصفات اللازمة للتمدن والرقي ..
الوجه الخامس :
إن إباحة الزنا وترويجه لا تقطع دابر العمران الحضاري فحسب ..
بل تستأصل النسل الإنساني كذلك ..
ذلك أن الفطرة تتطلب أن يكون للعلاقة الجنسية ثباتٌ واستقرارٌ حتى يشترك الأبوان في تربية الطفل ..
لكن الرجل إن لم يكن على يقين من كون الولد من صلبه لم يتكلف في تربيته ورعايته الوقت والجهد والمال والتضحية الإيثار ..
ولا يرضى لهذا الولد أن يرثه من بعده ..
كذلك المرأة إن لم تكن على يقين أن الرجل الذي يعاشرها مستعد لكفالتها والقيام برعايتها ورعاية ولدها لم ترض أبدًا أن تعاني متاعب الحمل ..
كذلك إن لم يتعاون الأبوان على تنشئة الطفل ، لم يمكنه أن يبلغ في تعليمه مبلغًا نافعًا لتقدم المجتمع وتحضره ..
كل هذه هي مقتضيات الفطرة الإنسانية ..
فإذا أهملها الرجل والمرأة وسعيا إلى مجرد المتعة والتلذذ ، كان الإتيان بنسل وذرية عبئًا وهمًا يتهرب الطرفان منه ..
فتكون النتيجة المباشرة هي انتفاء التوالد والتناسل أيضًا ..
لأن كلاً من الرجل والمرأة لا يريد أن يتحمل أعباء هذا الطفل ..
فلا ينجبونه أصلاً ..
وفي هذا قطع دابر النسل البشري ..!
الوجه السادس :
إن الأولاد الناتجين عن الزنا لا يكونون على نفس مستوى التفوق والكفاءة والنفع للمجتمع كأولاد الأسر المحترمة ..
لأنه في البداية لا يأتي أبويه كشيء محبوب مطلوب ..
بل ينزل عليهما نزول النكبة المفجعة ..!
ثم هو يفقد في أغلب أحواله عطف الأبوة ورعايتها ..
ولا تتيسر له إلا تربية الأم المفتقرة لدور الأب ..
حتى هذه التربية يخالطها الضجر والإعراض والتذكير باليوم الأسود الذي عرفت فيه أباه ..!
ثم هو كذلك لا يتمتع بالجو العائلي الذي يخلقه حب الأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات ومن يليهم من ذوي القربى ..
لهذا فلا عجب أن يخرج إلى المجتمع إنسانًا غير سوى ..
فلا تكون له سيرة صحيحة في الناس ، ولا تتجلى فيه كفاءات معتبرة ، ولا تتوفر له سبل التقدم والتفوق ..
فيكون في نفسه ناقص الإنسانية ، فاقد الحمى والنصير ، مظلومًا مدحورًا ، إن لم يكن مجرمًا شقيًا ..!
فيكون لمجتمعه نكدًا عقيمًا ، إن لم يكن حربًا ووبالاً ..!
وهل تكون الشخصيات الـantisocial والـpsychopathic إلا من هذا النتاج ..؟!
إن مما تستلزمه إباحة الزنا أن تجري في المجتمع حرفة البغاء ..
وذلك أن من يرى للرجل أن يمتع نفسه بلذات الشباب فكأنه يرى أن تكون في المجتمع لهذا الغرض طبقة من النساء ..
ولكن من أين تأتي أولئك النساء ؟ ألا يخرجن من نفس المجتمع الذي يعيش فيه الزناة ..؟
ألا يكن من بناته وأخواته ..؟
فتنفر طائفة من النساء بدلاً من أن تكون ربة منزل أو مؤسسة أسرة أو مربية أولاد ليكن كمراحيض البلدية موضع قضاء وطر كل داعرٍ خليعٍ ..
فيتجردن من كل الخصال النسوية الشريفة ويتدربن على التكسب بالخلاعة والتمايل والدلال ..
وينحدرن إلى أن يبعن محبتهن وقلوبهن وأجسامهن لكل زائرٍ جديدٍ في كل ساعة ..
ويبقين مدة أعمارهن في هذه المهنة الوضيعة بدل القيام بخدمة نافعة مثمرة للمجتمع ..
الوجه الرابع :
إن إباحة الزنا تضر بنظام الأسرة حتى يؤول الأمر إلى أن يزول الزواج ويبقى الزنا وحده ..
لأنه لا يجوز في العقل والنظر أن تسمح بركوب القطار مثلاً دون تذكرة ثم تتوقع من الناس في نفس الوقت أن يدفعوا ثمن التذكرة ..!
فلا يعقل أن يباح للمرء أن يقضي شهواته دون تحمل للتبعات ، ثم تنتظر منه أن يتحمل هذه التبعات ..
فضلاً عن أن الميالين للزنا قلما يصلحون لتأسيس علاقة زوجية صحيحة ..
لأن السلوك الفاسد يبعث في نفوسهم سوء الدخيلة وفجور النظر وذواقية الطبع وتشرد الفكر ..
كما يربي فيهم من تقلب العواطف وعدم ضبط الشهوات ما يكون معه المرء غير قادر على إقامة مؤسسة الأسرة التي تبنى على الثبات والرسوخ والاستقرار في الفكر والقلب ..
فهؤلاء إن ارتبطوا برباط الزواج فلن تتحق بينهم صلات حسن المعاملة والمحبة والوفاء والثقة والانسجام والمواءمة ..
ولن يعودوا قادرين على إنشاء البيت المعمور بالراحة والسعادة ..
وبالتالي لن يكونوا قادرين على إنشاء جيلٍ يتمتع بالصفات اللازمة للتمدن والرقي ..
الوجه الخامس :
إن إباحة الزنا وترويجه لا تقطع دابر العمران الحضاري فحسب ..
بل تستأصل النسل الإنساني كذلك ..
ذلك أن الفطرة تتطلب أن يكون للعلاقة الجنسية ثباتٌ واستقرارٌ حتى يشترك الأبوان في تربية الطفل ..
لكن الرجل إن لم يكن على يقين من كون الولد من صلبه لم يتكلف في تربيته ورعايته الوقت والجهد والمال والتضحية الإيثار ..
ولا يرضى لهذا الولد أن يرثه من بعده ..
كذلك المرأة إن لم تكن على يقين أن الرجل الذي يعاشرها مستعد لكفالتها والقيام برعايتها ورعاية ولدها لم ترض أبدًا أن تعاني متاعب الحمل ..
كذلك إن لم يتعاون الأبوان على تنشئة الطفل ، لم يمكنه أن يبلغ في تعليمه مبلغًا نافعًا لتقدم المجتمع وتحضره ..
كل هذه هي مقتضيات الفطرة الإنسانية ..
فإذا أهملها الرجل والمرأة وسعيا إلى مجرد المتعة والتلذذ ، كان الإتيان بنسل وذرية عبئًا وهمًا يتهرب الطرفان منه ..
فتكون النتيجة المباشرة هي انتفاء التوالد والتناسل أيضًا ..
لأن كلاً من الرجل والمرأة لا يريد أن يتحمل أعباء هذا الطفل ..
فلا ينجبونه أصلاً ..
وفي هذا قطع دابر النسل البشري ..!
الوجه السادس :
إن الأولاد الناتجين عن الزنا لا يكونون على نفس مستوى التفوق والكفاءة والنفع للمجتمع كأولاد الأسر المحترمة ..
لأنه في البداية لا يأتي أبويه كشيء محبوب مطلوب ..
بل ينزل عليهما نزول النكبة المفجعة ..!
ثم هو يفقد في أغلب أحواله عطف الأبوة ورعايتها ..
ولا تتيسر له إلا تربية الأم المفتقرة لدور الأب ..
حتى هذه التربية يخالطها الضجر والإعراض والتذكير باليوم الأسود الذي عرفت فيه أباه ..!
ثم هو كذلك لا يتمتع بالجو العائلي الذي يخلقه حب الأجداد والجدات والأعمام والعمات والأخوال والخالات ومن يليهم من ذوي القربى ..
لهذا فلا عجب أن يخرج إلى المجتمع إنسانًا غير سوى ..
فلا تكون له سيرة صحيحة في الناس ، ولا تتجلى فيه كفاءات معتبرة ، ولا تتوفر له سبل التقدم والتفوق ..
فيكون في نفسه ناقص الإنسانية ، فاقد الحمى والنصير ، مظلومًا مدحورًا ، إن لم يكن مجرمًا شقيًا ..!
فيكون لمجتمعه نكدًا عقيمًا ، إن لم يكن حربًا ووبالاً ..!
وهل تكون الشخصيات الـantisocial والـpsychopathic إلا من هذا النتاج ..؟!
وقد يرى البعض أن يكون هناك نظامٌ قوميٌ لتنشئة الأولاد وتربيتهم وتعليمهم ..
فيولدهم الآباء والأمهات بالعلاقات الجنسية الإباحية ، ثم يلتقطهم هذا النظام القومي للتربية والتعليم ..
وهكذا تتوفر حرية الزنا وإباحية الجنس ، وتتحق مقاصد التناسل وتربية الأولاد وتعليمهم ..
لكن هذا النظام الاجتماعي للتربية والتعليم يحتاج إلى معلمين أكفاء يقومون عن المجتمع بواجب التربية والتنشئة ..
ولا ريب أنه لا يصلح لهذه التربية والتنشئة من المعلمين إلا الذي يتصفون بضبط العواطف والأهواء ، والوقوف عند حدود الأخلاق ..
وإن لم يكن المعلمون كذلك ، لم يستطيعوا أن يربوا النشء على الالتزام الخلقي ..
فقل لي بالله عليك : من أين ستأتي بهؤلاء المعلمين في مجتمع اتخذ الزنا والإباحية شرعةً ومنهاجًا ..؟!
وإذا كنت لم ترد بهذا النظام الاجتماعي إلا أن تطلق عنان الشهوات بين الرجال والنساء في المجتمع ..
وأن تجردهم بهذا من الالتزام الأخلاقي وضوابط الشهوات ..
فكيف إذن - بالله عليك - ترجو أن تتخذ منهم معلمين ومربين ..؟!!
وأنّى لك أن تجد في مجتمع العميان نفرًا من المبصرين ليعلموا الأجيال الناشئة سلوك سبيلهم بعيون بصيرة ..؟!
هذه من وجوه قبح الزنا والإباحية عقلاً ..
راعيت فيها أن تكون على مقتضى العقل والنظر ..
وتحاشيت فيها الإشارة إلى وجوه الضرر القلبية والروحية كالبعد عن الله وضعف إرادة الطاعات وإلف المعصية ومرض القلب ..
فضلاً عن ضياع الغيرة وذهاب الحياء وهوان الكرامة وعمى البصيرة وفساد العقل ..
فضلاً عن زوال النعم ومحق البركة ونزول اللعنة وظهور الفساد في البر والبحر ..
إلى آخر عقوبات الزنا المعروفة والمعتبرة شرعًا وقدرًا ..
وإنما اقتصرت على التقبيح العقلي لبيان عمق الحكمة وقوة الحجة في تحريم الزنا والإباحية ..
وأن ضرر الزنا ليس شيئًا يقتصر على فرد أو أفراد ، بل يمتد إلى سائر المجتمع ..
وأنه إن كان الناس يستعظمون جرائم كالسرقة والقتل والنهب لا ينال ضررها إلا فرد أو أفراد ..
فالأولى عدم التهاون في جريمة الزنا والفحشاء ..
لأن ضررها يستاصل شأفة المدنية والحضارة والمجتمع بأسره ..
ولو أن الناس يتبعون العقل والعلم بعواقب الأمور - بدلاً من الهوى والشهوات - لأدركوا جسامة كبيرة الزنا ..
-------------------
إذا ثبت لدينا بما لا يدع مجالاً للشك قبح الزنا والإباحية الجنسية وضررهما البالغ على الفرد والمجتمع وجب إتخاذ التدابير اللازمة لمكافحتهما ..
وأول هذه التدابير :
منع الأسباب المؤدية للوقوع في الفاحشة أو الحافزة إليها ..
مثل الكتابات الإباحية أو المثيرة للشهوات ..
وكذلك الصور العارية أو المحركة للشهوة ..
إلى آخر عوامل التهييج الجنسي ..
وثانيها :
تهذيب عقلية الأفراد بالتربية والتعليم منذ الصغر ، وتنشئتهم على قبح الفاحشة ..
بحيث يعودون ينكرونها من أنفسهم بالوازع الخلقي الداخلي ، فيمنعهم هذا الوازع من ارتكابها ..
فإنه حتى مع توافر السبب أو الحافز أو الداعي للفاحشة يكون الضمير الداخلي كابحًا لجماح الشهوة ..
وثالثها :
تحريض الرأي العام والعقل الجمعي ضد هذه الفاحشة ..
بحيث يصير عامة الناس يعتبرنها عارًا ومخزاةً ..
وفائدة الرأي العام أنه يردع من نقصت تربيته أو ضعف فيه الوازع الداخلي فيزعه المجتمع ..
فهو خط وقائي ثانٍ يلي تنمية الوازع الداخلي ..
ورابعها :
فرض العقوبة الرادعة لمن يرتكب الفاحشة أو يقع فيها ..
والغرض الردعي من فرض العقوبة واضحٌ لا مراء فيه ..
فهناك من الناس من لا تزعهم ضمائرهم ولا مجتمعاتهم ، فتردعهم العقوبة المقررة ..
وخامسها :
إقامة الموانع والعقبات في سبيل هذه الفاحشة ..
فيتم تقييد العلاقات الجنسية بما يقوم في وجهها كالسد المانع ..
كمنع اختلاط الجنسين في الحياة العامة وفرض الحجاب الشرعي على المرأة ..
فمن لا يردعه ضميره الداخلي ، ولا يردعه إنكار المجتمع ، ولا حتى يأبه للعقوبة المقررة ، فهذا تعوقه وتمنعه هذه التدابير ..
فيكون الوقوع في الفاحشة عسيرًا حتى على المقبل عليها بلا اكتراث لأي وازع أو رادع ..
وفي نفس الوقت تتم إزالة الموانع والعقبات من سبيل النكاح بحيث يتم تيسيره على مستوى النظام المدني والأعراف المجتمعية ..
هذه التدابير الوقائية هي مما يشهد بضرورته العقل وتقتضيه الفطرة ..
ومما تعمل به المجتمعات فعلاً ، فلا توجد دولة متحضرة إلا وتستخدم هذه التدابير ضد ما تعتبره جريمة ..
فإذا كان من الثابت أن الفاحشة مهلكة للنسل وقاطعة لدابر المجتمع ، فلا مناص من التسليم بضرورة هذه التدابير ..
بالضبط كما تقام التدابير الوقائية ضد جرائم السرقة والسطو والقتل وقطع الطريق ..
ومن الناس من يقر ويسلم بقبح الزنا والإباحية الجنسية ، لكنهم يرون أن المكافحة ينبغي أن تقتصر على الإصلاح الفردي الباطني ..
فيكون لكل امرءٍ من نفسه الوازع الكافي والضمير الرقابي والالتزام الخلقي بما يمتنع به عن ارتكاب الفاحشة ..
أما اللجوء إلى قانون العقوبات وتدابير فصل الجنسين إلى آخرها ففيه حط من قيمة الفرد بمعاملته كالطفل الصغير ..
بل المفترض أن يتم تهذيب الأفراد وتربيتهم بما يجعلهم يحترمون قوانين المجتمع دون رقابة أو وصاية أو عقاب ..
فنرد على هؤلاء بسؤال صغير :
هل بلغت الإنسانية هذا المستوى الراقي من التهذيب والتربية بحيث يمكن الاعتماد عليها دون قوانين أو عقوبات ..؟
وهل بلغ أي مجتمع في الشرق أو الغرب هذا المستوى الرفيع الذي يعتمد على ضمائر الناس فقط لا غير ..؟
ألا تتأملون حال أرقى الدول في هذا العالم والتي تتباهى بأن جميع أفرادها متعلمون مثقفون فتخبروني :
هل منع التهذيب والتربية والتعليم ارتكاب الجرائم ونقض القوانين ..؟
ألا تحدث في هذه البلاد جرائم وحوادث السرقة والقتل ..؟
ألا يرتكب الناس في هذه البلاد الغش والخديعة والظلم والإفساد في الأرض ..؟
هل استغنت هذه الدول عن الشرطة والمحاكم والسجون والمؤسسات الرقابية المالية والإدارية ..؟
هل هذا كله في الدول الراقية والمتقدمة يعني أن حكوماتها تعامل شعوبها كالأطفال الصغار أو أنها تحط من قيمة أفرادها ..؟
فما بالكم تعترضون على قانون العقوبات في هذه المسألة وحدها دون غيرها ..؟
أليس من غير المقبول التفرقة بين المتماثلين وقد ثبت ضرر فاحشة الزنا على الرقي والحضارة والمجتمع والنسل بما يفوق جرائم السرقة والقتل ..؟!
ثم قد تجد من يعترض قائلاً إن ما تعدونه محركات للشهوة وتردون إقصاءه وإزالته هو قوام الفن وروح الأدب ..
فالصد عنه هو حربٌ على الفن والأدب في الكثير من صوره وأشكاله ..
ونحن لا نختلف مع المعترض في أهمية الفن والأدب وقيمتهما الغالية التي تتقدم بها الأمم وترتقي ..
لكن حياة المجتمع وصلاحه وفلاحه أهم منهما ..
وقد جرت سنن البشر على إقصاء عناصر الفن والأدب التي فيها ما يضر بالفرد أو المجتمع ..
انظر مثلاً إلى فن النشل وما فيه من خفة يد ولطف وبراعة ..
هل يمكن لأي مجتمع صالح أن يروج له وينشره بين الأفراد ..؟
ألا يتم إقصاء هذا الفن لأجل المصلحة العليا للمجتمع ..
وماذا عن فن التزوير من تزوير النقد إلى تزوير الوثائق والمستندات إلى تزوير التوقيعات إلى تزوير الأختام الحكومية ..إلخ ..؟
ألا يتطلب براعةً بديعةً وتفننًا عالي المستوى ..؟
فهل يستجيز عاقلٌ تنمية هذا الفن والترقي به بين أفراد المجتمع ..؟
ألا يدل هذا على أن مصلحة المجتمع تعلو فوق أي قيمة جمالية فنية كانت أو أدبية ..؟
فلو ثبت لدينا أن شيئًا من الأشياء مضرٌ بحياة المجتمع وفلاحه وصلاحه ، فلا جرم أن نقيد الفن والأدب بما يصرف هذاالضرر عن المجتمع ..
وهذه سنة البشر من قديم ..
ومن الاعتراضات أيضًا زعمهم أن إقامة الحواجز وضرب الحجب بين الجنسين لمنع العلاقات الجنسية المطلقة ووضع السدود دون الاختلاط هو اتهامٌ لأخلاق الناس ..
بافتراض في كل واحد منهم داعرٍ فاجرٍ ..
وفيه كذلك أن واضعي هذه القيود لا يثقون برجالهم ولا بنسائهم ..
ففيه اتهامٌ قبيحٌ لأخلاق الأفراد وإهانةٌ لكرامتهم بإساءة الظن فيهم ..
فنقول للمعترض : اعتراضك قويٌ ولا شك ..!
لكن ما كان لك أن تقصره على تدابير مكافحة الزنا والإباحية ..
بل كان الأولى لك أن تتوسع فتقول إن كل قفل على باب وكل رقم سري لخرانة وكل كلمة سر لجهاز كمبيوتر هو كذلك اتهامٌ وإهانةٌ لأخلاق الناس ..
وأنه دليلٌ على أن واضع القفل أو الرقم السري أو كلمة السر لا يثق في من حوله من الناس ..
وأنه يفترض في كل واحد منهم لصًا سارقًا ..
ولك أن تقول كذلك إن كل شرطي في البلاد يعني أن الدولة تعتبر مواطنيها أشرارًا خبثاءً لا ثقة فيهم ..
وأن كل مراقب مالي أو إداري يعني أن كل موظف مختلسٌ أو مهملٌ لا أمانة فيه ..
فما رأيك بهذا النمط في التفكير ..؟
ألا يجعلك التفكير بهذه الطريقة سارقًا قاتلاً مجرمًا متهمًا ..؟!
فهل ترى في هذا إهانة لكرامتك كما تراه في تدابير مكافحة الزنا ..؟
وخلاصة القول في المسألة أن كثيرًا من الناس ينكرون الزنا والفاحشة والإباحية الجنسية ..
لكن هذا الإنكار لا يبلغ منهم مبلغًا يشعرهم بضرورة إتخاذ التدابير الوقائية لسد الباب أمامهم بالمرة ..
لهذا تختلف وجهة نظرهم في أمر هذه التدابير عن وجهة نظرنا ..
ولا ريب عندي أنهم إن بينت لهم حقائق الفطرة وانكشفت لهم الأمور على وجهها الصحيح لاتفقوا معنا ..
فالإنسان ما دام فيه عنصر الحيوانية والشهوانية ، فلا يمكن لأي نظام مدني يبغي صلاح المجتمع وفلاحه أن يغفل هذا الجانب في تركيبه ..
لهذا لا ينبغي على المجتمع إهمال هذه التدابير أو التقصير في أمرها ..
والله أعلم وأحكم .
منع الأسباب المؤدية للوقوع في الفاحشة أو الحافزة إليها ..
مثل الكتابات الإباحية أو المثيرة للشهوات ..
وكذلك الصور العارية أو المحركة للشهوة ..
إلى آخر عوامل التهييج الجنسي ..
وثانيها :
تهذيب عقلية الأفراد بالتربية والتعليم منذ الصغر ، وتنشئتهم على قبح الفاحشة ..
بحيث يعودون ينكرونها من أنفسهم بالوازع الخلقي الداخلي ، فيمنعهم هذا الوازع من ارتكابها ..
فإنه حتى مع توافر السبب أو الحافز أو الداعي للفاحشة يكون الضمير الداخلي كابحًا لجماح الشهوة ..
وثالثها :
تحريض الرأي العام والعقل الجمعي ضد هذه الفاحشة ..
بحيث يصير عامة الناس يعتبرنها عارًا ومخزاةً ..
وفائدة الرأي العام أنه يردع من نقصت تربيته أو ضعف فيه الوازع الداخلي فيزعه المجتمع ..
فهو خط وقائي ثانٍ يلي تنمية الوازع الداخلي ..
ورابعها :
فرض العقوبة الرادعة لمن يرتكب الفاحشة أو يقع فيها ..
والغرض الردعي من فرض العقوبة واضحٌ لا مراء فيه ..
فهناك من الناس من لا تزعهم ضمائرهم ولا مجتمعاتهم ، فتردعهم العقوبة المقررة ..
وخامسها :
إقامة الموانع والعقبات في سبيل هذه الفاحشة ..
فيتم تقييد العلاقات الجنسية بما يقوم في وجهها كالسد المانع ..
كمنع اختلاط الجنسين في الحياة العامة وفرض الحجاب الشرعي على المرأة ..
فمن لا يردعه ضميره الداخلي ، ولا يردعه إنكار المجتمع ، ولا حتى يأبه للعقوبة المقررة ، فهذا تعوقه وتمنعه هذه التدابير ..
فيكون الوقوع في الفاحشة عسيرًا حتى على المقبل عليها بلا اكتراث لأي وازع أو رادع ..
وفي نفس الوقت تتم إزالة الموانع والعقبات من سبيل النكاح بحيث يتم تيسيره على مستوى النظام المدني والأعراف المجتمعية ..
هذه التدابير الوقائية هي مما يشهد بضرورته العقل وتقتضيه الفطرة ..
ومما تعمل به المجتمعات فعلاً ، فلا توجد دولة متحضرة إلا وتستخدم هذه التدابير ضد ما تعتبره جريمة ..
فإذا كان من الثابت أن الفاحشة مهلكة للنسل وقاطعة لدابر المجتمع ، فلا مناص من التسليم بضرورة هذه التدابير ..
بالضبط كما تقام التدابير الوقائية ضد جرائم السرقة والسطو والقتل وقطع الطريق ..
ومن الناس من يقر ويسلم بقبح الزنا والإباحية الجنسية ، لكنهم يرون أن المكافحة ينبغي أن تقتصر على الإصلاح الفردي الباطني ..
فيكون لكل امرءٍ من نفسه الوازع الكافي والضمير الرقابي والالتزام الخلقي بما يمتنع به عن ارتكاب الفاحشة ..
أما اللجوء إلى قانون العقوبات وتدابير فصل الجنسين إلى آخرها ففيه حط من قيمة الفرد بمعاملته كالطفل الصغير ..
بل المفترض أن يتم تهذيب الأفراد وتربيتهم بما يجعلهم يحترمون قوانين المجتمع دون رقابة أو وصاية أو عقاب ..
فنرد على هؤلاء بسؤال صغير :
هل بلغت الإنسانية هذا المستوى الراقي من التهذيب والتربية بحيث يمكن الاعتماد عليها دون قوانين أو عقوبات ..؟
وهل بلغ أي مجتمع في الشرق أو الغرب هذا المستوى الرفيع الذي يعتمد على ضمائر الناس فقط لا غير ..؟
ألا تتأملون حال أرقى الدول في هذا العالم والتي تتباهى بأن جميع أفرادها متعلمون مثقفون فتخبروني :
هل منع التهذيب والتربية والتعليم ارتكاب الجرائم ونقض القوانين ..؟
ألا تحدث في هذه البلاد جرائم وحوادث السرقة والقتل ..؟
ألا يرتكب الناس في هذه البلاد الغش والخديعة والظلم والإفساد في الأرض ..؟
هل استغنت هذه الدول عن الشرطة والمحاكم والسجون والمؤسسات الرقابية المالية والإدارية ..؟
هل هذا كله في الدول الراقية والمتقدمة يعني أن حكوماتها تعامل شعوبها كالأطفال الصغار أو أنها تحط من قيمة أفرادها ..؟
فما بالكم تعترضون على قانون العقوبات في هذه المسألة وحدها دون غيرها ..؟
أليس من غير المقبول التفرقة بين المتماثلين وقد ثبت ضرر فاحشة الزنا على الرقي والحضارة والمجتمع والنسل بما يفوق جرائم السرقة والقتل ..؟!
ثم قد تجد من يعترض قائلاً إن ما تعدونه محركات للشهوة وتردون إقصاءه وإزالته هو قوام الفن وروح الأدب ..
فالصد عنه هو حربٌ على الفن والأدب في الكثير من صوره وأشكاله ..
ونحن لا نختلف مع المعترض في أهمية الفن والأدب وقيمتهما الغالية التي تتقدم بها الأمم وترتقي ..
لكن حياة المجتمع وصلاحه وفلاحه أهم منهما ..
وقد جرت سنن البشر على إقصاء عناصر الفن والأدب التي فيها ما يضر بالفرد أو المجتمع ..
انظر مثلاً إلى فن النشل وما فيه من خفة يد ولطف وبراعة ..
هل يمكن لأي مجتمع صالح أن يروج له وينشره بين الأفراد ..؟
ألا يتم إقصاء هذا الفن لأجل المصلحة العليا للمجتمع ..
وماذا عن فن التزوير من تزوير النقد إلى تزوير الوثائق والمستندات إلى تزوير التوقيعات إلى تزوير الأختام الحكومية ..إلخ ..؟
ألا يتطلب براعةً بديعةً وتفننًا عالي المستوى ..؟
فهل يستجيز عاقلٌ تنمية هذا الفن والترقي به بين أفراد المجتمع ..؟
ألا يدل هذا على أن مصلحة المجتمع تعلو فوق أي قيمة جمالية فنية كانت أو أدبية ..؟
فلو ثبت لدينا أن شيئًا من الأشياء مضرٌ بحياة المجتمع وفلاحه وصلاحه ، فلا جرم أن نقيد الفن والأدب بما يصرف هذاالضرر عن المجتمع ..
وهذه سنة البشر من قديم ..
ومن الاعتراضات أيضًا زعمهم أن إقامة الحواجز وضرب الحجب بين الجنسين لمنع العلاقات الجنسية المطلقة ووضع السدود دون الاختلاط هو اتهامٌ لأخلاق الناس ..
بافتراض في كل واحد منهم داعرٍ فاجرٍ ..
وفيه كذلك أن واضعي هذه القيود لا يثقون برجالهم ولا بنسائهم ..
ففيه اتهامٌ قبيحٌ لأخلاق الأفراد وإهانةٌ لكرامتهم بإساءة الظن فيهم ..
فنقول للمعترض : اعتراضك قويٌ ولا شك ..!
لكن ما كان لك أن تقصره على تدابير مكافحة الزنا والإباحية ..
بل كان الأولى لك أن تتوسع فتقول إن كل قفل على باب وكل رقم سري لخرانة وكل كلمة سر لجهاز كمبيوتر هو كذلك اتهامٌ وإهانةٌ لأخلاق الناس ..
وأنه دليلٌ على أن واضع القفل أو الرقم السري أو كلمة السر لا يثق في من حوله من الناس ..
وأنه يفترض في كل واحد منهم لصًا سارقًا ..
ولك أن تقول كذلك إن كل شرطي في البلاد يعني أن الدولة تعتبر مواطنيها أشرارًا خبثاءً لا ثقة فيهم ..
وأن كل مراقب مالي أو إداري يعني أن كل موظف مختلسٌ أو مهملٌ لا أمانة فيه ..
فما رأيك بهذا النمط في التفكير ..؟
ألا يجعلك التفكير بهذه الطريقة سارقًا قاتلاً مجرمًا متهمًا ..؟!
فهل ترى في هذا إهانة لكرامتك كما تراه في تدابير مكافحة الزنا ..؟
وخلاصة القول في المسألة أن كثيرًا من الناس ينكرون الزنا والفاحشة والإباحية الجنسية ..
لكن هذا الإنكار لا يبلغ منهم مبلغًا يشعرهم بضرورة إتخاذ التدابير الوقائية لسد الباب أمامهم بالمرة ..
لهذا تختلف وجهة نظرهم في أمر هذه التدابير عن وجهة نظرنا ..
ولا ريب عندي أنهم إن بينت لهم حقائق الفطرة وانكشفت لهم الأمور على وجهها الصحيح لاتفقوا معنا ..
فالإنسان ما دام فيه عنصر الحيوانية والشهوانية ، فلا يمكن لأي نظام مدني يبغي صلاح المجتمع وفلاحه أن يغفل هذا الجانب في تركيبه ..
لهذا لا ينبغي على المجتمع إهمال هذه التدابير أو التقصير في أمرها ..
والله أعلم وأحكم .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)