التسميات

الأربعاء، 24 أبريل 2013


الغزو بالحَقن الثقافي المباشر.. "الكبير أوي" نموذجًا
كتبه : فارس الصغير

الاســـم: 533552_10151346328006617_866985973_n.jpg
المشاهدات: 215
الحجـــم: 16.8 كيلوبايت


كان من أسوأ ما فعله نظام مبارك في المجتمع والدولة المصرية هو السماح باختراق طبقات الأول ومؤسسات الثانية، بحيث أصبح من الصعب أن تحصل على صورة متماسكة لشكل وهوية وأداء وتقييم كل منهما. ومع تنوع وسائل الاختراق واتساع نطاق عملها وعمق تأثيرها وطول فترة استخدامها؛ ظهرت تشققات وتشوهات في بنية الهوية المصرية بجميع تجلياتها، علاوةً على ضعف الانتماء، إن لم يكن غيابه تماما.

وكان الإعلام المرئي كالسينما والتلفزيون جبهة لمثل هذا الاختراق، نظرًا لحالة التبعية التامة من النظام البائد للإملاءات الأمريكية والغربية بشكل عام، والتي تجتمع لتصب في مصلحة المطامع الصهيونية في المجتمع المصري والدولة المصرية. وكان من آثار هذا الاختراق -الذي يتناوله البعض تحت مسمى "الغزو الفكري"- توفير الفرص والدعم الفكري للسلوكيات المنحرفة أخلاقيا، والتشبه بالغرب ومحاكاة النموذج الغربي سلوكيا ولغويا وفكريا، واتساع الخروق والشروخ في مكونات الهوية والانتماء والخصوصية الثقافية والحضارية لدى قطاعات متعددة داخل المجتمع المصري على تنوعه.

// تكتيكات اختراق جديدة..//


الواضح وضوح الشمس، أن هناك اختلافا شاسعا وتمايزا رهيبا بين المكون الثقافي والديانة والهوية واللغة والعادات والتقاليد والمرجعيات و.. و... لكلٍ من المجتمعين المصري الإسلامي الشرقي، والأمريكي المسيحي الغربي، وكل محاولة لاختراق المجتمع المصري - أو غزوه فكريا- من خلال الثقافة الأمريكية بمكوناتها، كان ينتج عنها مناوشات تفاعلية تتمّ على ما يمكن اعتباره "القشرة الخارجية" للمكون الثقافي العام للمجتمع المصري.. التي تتمثل في طبقات عليا ماديا من المجتمع تتحلى بالانهزامية والتبعية للآخر (الغازي المتفوق الذي يفرض لغته وهويته وعاداته وتقاليده) والتي توجد في المدن الكبرى وبعض المناطق السياحية والساحلية.
وقد أكسبت عراقة وعمق المكونات الثقافية للهوية المصرية الإسلامية العربية هذه القشرة مقدارًا متراكما من السُّمك الذي استعصى أمام اكتمال عملية الاختراق، وهو ما جعل الطريق طويلاً أمام هذا الاختراق حتى الوصول إلى عمق المجتمع المصري.

وفيما كانت المناطق المشار إليها تمثل القشرة الخارجية السميكة للمكون الثقافي للمجتمع المصري.. كان الريف المصري وبيئة الصعيد هما النواة البكر الحقيقية لهذا المكون الثقافي، ويختص الريف الصعيدي على وجه الخصوص بميزة لا تجتمع لمكان آخر في مصر، باعتبار الجنوب في أي مجتمع هو جذر ومنبع ومخزَن المكون الثقافي له إنثربولوجيًا.. وهو ما جعله بمنأى عن التفاعل بأي شكل من الأشكال مع صور الاختراق الثقافي، ولأن الغزو الثقافي والقائمين عليه لا يفتئون يبحثون عن وسائل اختراق ناجعة لهذه النواة البكر المتماسكة؛ فقد ألجأهم التفكير إلى الحَقن الثقافي المباشر، وهو وسيلة تشبه تقنيات الحقن المجهري في معامل الخصوبة، بحيث تتحول هذه النواة البكر إلى شيء آخر مختلف تماما ذي صفات فرضها عليها المكوّن الغربي الذي اخترقها بالحقن المباشر.
وهو يناظر أيضا حالة الاختراق الفيروسي للخلايا، والتي تصير بعده الخلايا السليمة معامل لإنتاج الفيروس الذي قام باختراقها، وهذا بالضبط هو عين ما حققه المسلسل الكوميدي "الكبير أوي"، كمثال واضح على هذا الاختراق.


// الكبير أوي.. احذروا !! //

كل (ممنوع مرفوض) لا يتم تمريره إلا تحت غطاء، وعمليات الغزو والاختراق الثقافي تعتمد في تمرير أفكارها على اتخاذ "الكوميديا" كغطاءٍ من بين أغطية أخرى كثيرة. ولأول مرة نجد عملا فنيا - تحت غطاء الكوميديا- ينجح في اختصار المسافات واختراق المجتمع الريفي الصعيدي وحقنه بمكونات ثقافية غربية عنه. ولا يخفى على كل ذي بصيرة أن الجمهور المخاطَب - والأغلب- لهذا العمل هو الذي يجد فيه التقاءً مع مفردات بيئته ولهجته وملابسه، وهو ما يجعل الرسائل الاختراقية مكثفة ومتتابعة منذ اللحظة الأولى، في جميع الحلقات التي تبلغ مدة الواحدة منها 20 دقيقة فقط.

فاللحظات الأولى يمثلها تتر المقدمة الذي تضمن ما يعادل نصفه تقريبا كلمات أمريكية خالصة، وهو ما يهدف إلى ترسيخ التواجد الأمريكي في ذهن المشاهد من خلال اللغة منذ مطلع الحلقة. نعم، هذا ما يقتضيه السياق الفني والتكوين الدرامي، ولكن لن ينطلي علينا أن هذا ليس هو ما تقتضيه حالة الاختراق، بأن تكون شخصية "جوني" الممثلة للمكون الثقافي الأمريكي حاضرةً منذ اللحظة الأولى حضورًا طاغيًا.

وتأتي الحلقة الأولى من الجزء الأول منذ دقائقها الأولى مكملة الخطة ذاتها، حيث يذكر "أحمد مكي" القائم بشخصية "الكبير"، اسم وليام والاس منوها عنه بأنه (بتاع بريف هارت) بطريقةٍ تشير إلى أنه من الطبيعي أن يكون هذا معلومًا من الحياة الريفية الصعيدية بالضرورة، في تطبيق صارخ للعولمة والحقن الثقافي. ونجد بعدها - على خلفية لقطات للبيئة الريفية الصعيدية البكر الخالصة- استدعاءً لموسيقى الغرب الأمريكي الشهيرة في الفيلم الكلاسيكي "الطيب والوقح والشرير"، إضافة إلى إظهار اهتمام شخصية البطل بالمصارعة الحرة الأمريكية والبلاي ستيشن، واستعراضه أسماء الألعاب والشخصيات، علاوةً على استخدامه ألفاظًا أمريكية، وترسيخ نسبة "الكبير" إلى أمٍ أمريكية لعوب. هذا كله في حلقة واحدة؛ الحلقة الأولى، وبالطبع لم تخلُ الحلقة الثانية من إدماج الألفاظ الأمريكية في الحوار بشكل اعتيادي – بداعٍ وبلا داعي-، وذلك مع جلب النموذج الأمريكي الخالص "جوني" للأحداث بما يحمله من مكونات تتمثل في اللغة والمظهر والملابس والوشم على الجسد والتعالي على الآخر، ولا مانع من بعض ايحاءات جنسية. ولك أن تتخيل ما احتوته ثلاثون حلقة على نفس النمط!

// تفريغ ممنهج للذاتية المصرية.. //

جاء العمل بما تضمنه من رسم شخصيات وحوار وحركة وديكور وملابس وصراعات ورسائل ضمنية كثيفة ماكرة، منتظما في اتجاه واحد فقط يترك انطباعًا لدى المشاهد بالإعجاب واحترام كل ما هو أمريكي، واحتقار أو استهجان كل ما هو ريفي صعيدي، هو في الأصل مصري وإن لم يشيروا إلى ذلك! وهو ما يمهد لعملية التفريغ من الهوية، ثم الانتقال بالجمهور المستهدف إلى مرحلة التقليد للنموذج الأمريكي.

بدا ذلك واضحًا في مناطق كثيرة للغاية من العمل، كان من الملاحظ فيها تلك السطحية في تناول منطقية وخلفيات سلوك النموذج الريفي الصعيدي الرئيسي "الكبير"، في مقابل الشرح والتوضيح والنقاش حول أفكار ومنطلقات النموذج الأمريكي الدخيل "جوني"؛ وذلك بغرض توضيحها وإيصال الرسالة الاختراقية على وجهها.. وهو ما جعل المشاهد على مدار العمل راسخ الانطباع بشأن ديكتاتورية النموذج المصري الصعيدي وبالتالي يرفضه، في مقابل ديمقراطية النموذج الأمريكي الغربي وبالتالي يتقبله، بل يتبنى مواقفه وسلوكه وما إلى ذلك.

ثم إنك تجد أغلب الصراعات التي تضمنتها أحداث العمل بين "الكبير" و"جوني".. ينتصر فيها النموذج الأمريكي "جوني"، بل يستقطب الفلاحين الصعايدة لتقليده - وهو ما أظهرهم بهيئات وممارسات غريبة شاذة- أو مجاراته أو الانصياع لرؤيته.. ولابد أن يظهر مع كل ذلك حماقة "الكبير" واستبداده، وهو النموذج الرئيس للمجتمع الريفي الصعيدي الذي لم يسلم هو الآخر من (الحطّ عليه) منذ الحلقات الأولى بإظهاره مجتمعا متخلفا يسهل استغلاله والتحكم فيه بـ"أكلة وشوية زيطة".

// وتوجيه الانتماء نحو العولمة..//


في مجموعة "صحوة الجماجم والحزن" للقاصّ عبد الفتاح صبري، نصيحة مضمّخة بعبق الوطنية والانتماء من جدٍ عجوز لحفيده يقول له فيها: (شوفت الخواجة اللى جه وقال "أنا تبع اليونيسيف وباعمل أبحاث عن الزراعة والفلاحين".. طلع إيه؟! طلع جاسوس، ومتخفي، مفيش أمان لأي غريب)!

العولمة بالطبع ترفض مثل هذا الكلام الذي يشكل عائقا كبيرا أمام تغلغلها واستيطانها في ربوع العالم وأركانه، وقد قدم الجزء الثاني من "الكبير أوي" خدمة جليلة لـ"العولمة" بإنجازه مهمة التفريغ من الانتماء الوطني، وذلك بتناوله القيم الوطنية في إطار هزلي على مدار هذا الجزء، وهو ما يلقي بظلال "هزلية" هي الأخرى على هذه القيم وعلى صورتها الذهنية في لا وعي المُشاهِد، ليخرج من عباءة الوطن إلى رداء العولمة.

أضف إلى هذا استخدام القائمين على المسلسل ثماني أغانٍ أجنبية متنوعة الجنسية على الأقل، مع أغنية "عـبرية شهيرة" تاسعة، كان يمكن الاستغناء عنها واستبدالها بغيرها ببساطة، إضافة إلى ما أشرنا إليه من استخدامٍ طاغٍ لثيمات موسيقى تصويرية لأفلام حركة أمريكية معروفة.. هذا إن تنزّلنا ولم نتطرق إلى الإطار الشرعي لكل هذه الأمور.

كل هذه المكونات بما تحمله من رسائل ومؤثرات تفرغ المشاهد تدريجيا من مكونات أساسية في انتمائه وهويته، وتصبّ محلها مكونات إعجاب بالنموذج الغربي الأمريكي يأخذه إلى انتماءٍ له، في إطار عولمي بامتياز.